تعود جذور هذه الأزمة إلى نقص هيكلي في المعروض السكني
التأجير السياحي يجبر مئات الآلاف من الأسبان على الخروج إلى الشوارع
أصبحت قضية السكن في إسبانيا واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية حدة في البلاد؛ فقد خرجت احتجاجات حاشدة في جميع أنحاء البلاد - بقيادة اتحادات المستأجرين ومجموعات الحقوق المدنية - وشارك فيها مئات الآلاف في شوارع مدن كبرى مثل مدريد وبرشلونة وفالنسيا ومالقة.
ويطالب المحتجون بتمديد فترات العقود الإلزامية، وحظر إخلاء المواطنين الأكثر ضعفاً دون سبب قانوني مبرر، وزيادة المعروض من وحدات الإسكان الاجتماعي العام.
وقد أدى التوسع السريع لمنصات تأجير أماكن الإقامة السياحية (مثل "Airbnb") وعمليات التأجير السياحي التي تديرها الشركات إلى سحب عشرات الآلاف من الوحدات السكنية من سوق الإسكان طويل الأجل، لا سيما في مراكز المدن والمناطق الساحلية (مثل برشلونة ومدريد ومالقة وجزر البليار والكناري)؛ إذ يفضل الملاك غالباً التأجير السياحي قصير الأجل نظراً لعوائده المالية المرتفعة بشكل ملحوظ.
وعلاوة على ذلك، استحوذت شركات استثمارية كبرى وصناديق أجنبية تُعرف بـ "صناديق النسر" (fondos buitre) على مجمعات ضخمة من المباني السكنية. ويرى المحتجون أن هذه الجهات تدفع السكان المحليين القدامى للرحيل من خلال رفع الإيجارات بشكل حاد أو تحويل مبانٍ بأكملها إلى وحدات سكنية فاخرة وعالية التكلفة.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى نقص هيكلي في المعروض السكني، والمضاربات الجامحة في السوق، وصراع سياسي بارز شهدته البلاد مؤخراً.
فعلى مدار العقد الماضي، تضاعفت متوسطات أسعار الإيجار في إسبانيا تقريباً.
ويخصص حالياً أكثر من 25% من المستأجرين الإسبان ما يزيد عن 40% من صافي دخلهم لتغطية تكاليف الإيجار والمرافق (وهي نسبة تفوق بكثير متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 18%).
كما أن انخفاض الأجور، وارتفاع معدلات التضخم، وعدم استقرار عقود العمل، تجعل من العيش باستقلالية أمراً شبه مستحيل بالنسبة للشباب، مما يضطر الكثيرين منهم إلى السكن المشترك في شقق ضيقة حتى بعد تجاوزهم سن الثلاثين.
ولا تتجاوز نسبة الإسكان العام والميسور التكلفة 2% من إجمالي المخزون السكني في إسبانيا، مقارنة بمتوسط 8% في الاتحاد الأوروبي (وأكثر من 20% في دول مثل فرنسا وهولندا). ونظراً لاعتماد الدولة تاريخياً على السوق الخاص بدلاً من بناء وحدات إسكان عام، يفتقر المستأجرون إلى الحماية الكافية في مواجهة تقلبات السوق.
وقد اندلعت موجة الاضطرابات الأخيرة مدفوعة بحادثة إخلاء أثارت الرأي العام، حيث طُردت سيدة تبلغ من العمر 87 عاماً، تُدعى ماريكارمن أباسكال، من منزل عاشت فيه لمدة 70 عاماً في مدريد، وذلك بعد أن اشترى صندوق استثماري المبنى الذي تقطنه ورفع قيمة الإيجار بشكل هائل. أصبحت رمزاً فورياً لانتهاكات الملاك، مما أدى إلى إقامة مخيمات احتجاجية واسعة النطاق في ساحات عامة، مثل ساحة "بويرتا ديل سول" في مدريد.
بلغ الغضب ذروته بعد أن أسقط البرلمان الإسباني مراسيم حكومية طارئة كانت تهدف إلى تعزيز حماية المستأجرين، وحظر شراء صناديق الاستثمار الانتهازية (vulture funds) للعقارات السكنية، ووضع سقف لزيادات الإيجار، وتمديد قرارات حظر الإخلاء. وقد أدى تصويت المعارضة ضد تدابير الإغاثة هذه إلى دعوات لإضرابات عامة واندلاع مواجهات كبيرة في الشوارع خلال شهر أكتوبر 2026.
وتشمل المطالب الرئيسية للمحتجين فرض قيود صارمة على أسعار الإيجارات السكنية بحيث تتناسب مع متوسط الأجور المحلية.
كما يطالب المحتجون بحظر قيام صناديق الاستثمار المؤسسية بشراء الوحدات السكنية،
ويسعون لفرض قيود مشددة على تأجير العقارات لفترات قصيرة لأغراض العطلات، بهدف إعادة الشقق إلى سوق الإيجارات السكنية طويلة الأمد.