36 عاماً بعد الوحدة.. الفجوة الاقتصادية بين شرق ألمانيا وغربها لم تُغلق
بعد 36 عاماً على إعادة توحيد ألمانيا، لا يزال اقتصاد الولايات الشرقية بعيداً عن مستوى الولايات الغربية، إذ أظهرت بيانات حديثة أن عملية التقارب الاقتصادي بين شطري البلاد فقدت زخمها خلال السنوات الأخيرة، رغم التقدم الكبير الذي حققه الشرق منذ بداية التسعينيات.
وأفاد تقرير صادر عن معهد الاقتصاد الألماني «آي دبليو» بأن الولايات الألمانية الشرقية الخمس سجلت في عام 2025 مستوى من القوة الاقتصادية يعادل نحو 79% من مستوى الولايات الغربية، مقابل ما يزيد قليلاً على 78% في عام 2024، في حين لم تنجح النسبة في تجاوز حاجز 80% حتى الآن.
فجوة اقتصادية مستمرة
وأوضح المعهد أن شرق ألمانيا كان قد حقق تقدماً كبيراً منذ عام 1991 في تقليص الفارق الاقتصادي مع الغرب، بعدما لم يكن يتجاوز آنذاك 51% من القوة الاقتصادية للولايات الغربية.
إلا أن مسار التقارب شهد حالة من التعثر خلال السنوات الخمس الماضية، إذ ظلت النسبة منذ عام 2020 تدور بين 78% و79%، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الألمانية «د ب أ».
ويعتمد معهد الاقتصاد الألماني في احتساب «مؤشر الوحدة»، الذي يتابع مسار اللحاق الاقتصادي لشرق ألمانيا منذ عام 1990، على مجموعة من المعايير، تشمل الإنتاجية، وحجم رأس المال المتراكم، ونسبة أصحاب المؤهلات العالية العاملين في مجال البحث والتطوير، إلى جانب معدل المشاركة في سوق العمل ومعدلات البطالة والعمل الحر، فضلاً عن الناتج الاقتصادي للفرد.
نقص في البحث والتطوير
ويرى خبراء المعهد أن أبرز أوجه القصور في شرق ألمانيا تتركز في مجال البحث العلمي، إذ تشير حساباتهم إلى أن عدد العاملين في مجال البحث والتطوير في الولايات الشرقية لا يتجاوز قليلاً 46% من مستواهم في الولايات الغربية.
وفي المقابل، يبدو القطاع العام، بما يشمله من جامعات ومعاهد، في وضع جيد نسبياً، إلا أن نقص الباحثين يظهر بصورة أكبر داخل القطاع الاقتصادي والشركات.
ويرتبط ذلك، بحسب المعهد، بندرة الشركات الكبرى في شرق ألمانيا، وهو ما يحد من وجود الباحثين والعاملين في مجالات البحث والتطوير داخل القطاع الاقتصادي.
مشاركة أضعف في سوق العمل
ولا يقتصر ضعف التقارب مع الغرب على البحث العلمي، إذ سجل الشرق تقدماً محدوداً في مؤشرات أخرى، من بينها المشاركة في سوق العمل، التي شهدت تراجعاً مقارنة بمستواها في الولايات الغربية.
وبالنظر إلى إجمالي السكان، بلغت نسبة المشاركة في سوق العمل بشرق ألمانيا في عام 2010 نحو 89% من مستواها في الغرب، لكنها لم تتجاوز في عام 2025 نحو 85% بقليل.
كما تشهد الاستثمارات حالة من الجمود، إذ لم يحقق الشرق، فيما يتعلق بقيمة جميع الآلات والمصانع والطرق والمباني لكل فرد، أي مخزون رأس المال، تقارباً إضافياً يُذكر مع الغرب خلال السنوات الـ15 الماضية.
استثمارات تراوح مكانها
وبلغت نسبة مخزون رأس المال في شرق ألمانيا مقارنة بالغرب نحو 77% في عام 2010، قبل أن ترتفع في عام 2025 إلى ما يزيد قليلاً على 79%، وهو ما يعكس محدودية التقدم الذي تحقق خلال هذه الفترة.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت لا تزال فيه الفجوة الاقتصادية بين شطري ألمانيا قائمة، رغم التحسن الكبير الذي سجله الشرق منذ السنوات الأولى لإعادة توحيد البلاد.
وفي ظل استمرار هذا التفاوت، يبرز العامل الديموغرافي باعتباره أحد التحديات التي تواجه الولايات الشرقية، خصوصاً مع توقعات بتراجع عدد سكانها بصورة أكبر من الولايات الغربية خلال العقود المقبلة.
الهجرة لتعويض نقص السكان
ويتوقع معهد الاقتصاد الألماني أن ينخفض عدد سكان شرق ألمانيا حتى عام 2045 بأكثر من الخُمس إذا لم يشهد تدفقاً للمهاجرين، وهو تراجع يفوق بكثير الانخفاض المتوقع في غرب البلاد.
ولهذا السبب، تعتمد الولايات الشرقية بدرجة أكبر على استقدام الكفاءات من الخارج، في ظل الحاجة إلى مواجهة التداعيات الناتجة عن التغيرات السكانية.
وخلص خبراء المعهد إلى أن التشكيك في هذا الانفتاح على الهجرة، عقب نتائج الانتخابات الأخيرة التي تصدرها حزب البديل من أجل ألمانيا، يلقي بظلال قاتمة على التوقعات المستقبلية.
مخاوف من نقص العمالة
ويرى معهد الاقتصاد الألماني أن الإبقاء على نظام المعاش التقاعدي دون اقتطاعات بعد 45 عاماً من سداد الاشتراكات، وهو موقف يؤيده عدد من رؤساء حكومات الولايات الشرقية، يؤدي إلى نتائج عكسية.
وذكر المعهد في ختام تقريره أن شرق ألمانيا، بسبب تركيبته السكانية، يعتمد بصورة خاصة على إبقاء الموظفين ذوي الخبرة في سوق العمل لفترة أطول.