خبراء: التوترات الجيوسياسية قد تضغط على التضخم في مصر وترجّح تثبيت أسعار الفائدة في المدى القريب
تفرض التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة تحديات جديدة على الاقتصاد المصري، في وقت تسعى فيه السياسة النقدية إلى مواصلة خفض معدلات التضخم دون التأثير سلبًا على وتيرة التعافي الاقتصادي.
ومع تصاعد التوترات في أسواق الطاقة واحتمالات اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، يترقب المستثمرون والاقتصاديون مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، وسط توقعات بأن يتبنى البنك المركزي المصري نهجًا حذرًا في قراراته النقدية، يقوم على الموازنة بين احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار النمو الاقتصادي.
حدة في التوترات الجيوسياسية
ويقول الخبير المصرفي أحمد أبو الخير إن المنطقة العربية تشهد تصاعدًا في حدة التوترات الجيوسياسية بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما ينعكس بطبيعته على حركة الأسواق العالمية، لا سيما أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتدفقات رؤوس الأموال.
وفي ضوء طبيعة الاقتصاد المصري الذي يواصل تنفيذ برنامج إصلاح هيكلي، ويعتمد بدرجة ملحوظة على استيراد جانب من احتياجاته من الطاقة والسلع الأساسية، فإن أي موجة تضخمية عالمية جديدة قد تنتقل آثارها إلى الداخل عبر قنوات متعددة، مؤثرة في مسار التضخم المحلي وتوجهات السياسة النقدية.
وأوضح أن التضخم في مصر قد يتعرض لضغوط صعودية خلال الفترة المقبلة مدفوعًا بعاملين رئيسيين، الأول يتمثل في التضخم المستورد الناتج عن اضطراب محتمل في إمدادات النفط عبر مضيق هرمز أو استهداف ناقلات الطاقة، وهو ما قد يدفع أسعار خام برنت إلى الارتفاع.
وباعتبار أن مصر مستورد صافٍ للمواد البترولية، فإن أي زيادة في أسعار النفط ستنعكس سريعًا على تكاليف النقل والإنتاج، ومن ثم على أسعار السلع الغذائية والخدمات.
ضغوط سعر الصرف
أما العامل الثاني، فيتعلق بضغوط سعر الصرف، إذ تدفع أجواء عدم اليقين المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأسواق الناشئة، ما قد يؤدي إلى تراجع تدفقات النقد الأجنبي والضغط على الجنيه، وهو ما يزيد بدوره تكلفة الواردات ويغذي التضخم.
وأشار أبو الخير إلى أنه إذا ظل التصعيد بين الطرفين في نطاق محدود دون تأثير فعلي على تدفقات النفط عبر الخليج، فمن المرجح أن يكون أثره التضخمي مؤقتًا، ينعكس في زيادة محدودة في الأسعار المحلية قبل أن يتلاشى تدريجيًا مع استقرار الأسواق العالمية.
أما في حال اتسع نطاق الصراع وأدى إلى تعطّل ملموس في إمدادات الطاقة، فقد نشهد ارتفاعًا أكثر حدة في أسعار النفط عالميًا، وهو ما سينعكس على تكاليف الإنتاج في مصر ويدفع التضخم إلى مستويات أعلى من المستهدفات، خاصة إذا تزامن ذلك مع ضغوط على سعر الصرف أو خروج جزئي لرؤوس الأموال الأجنبية.
وفيما يتعلق بأسعار الفائدة، أوضح أن القرار سيظل مرهونًا بتقييم البنك المركزي المصري لطبيعة الضغوط التضخمية: هل هي صدمة مؤقتة في جانب العرض، أم بداية لموجة تضخم ممتدة تؤثر في التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار المستقبلية. فإذا تبين أن الارتفاع مؤقت ومحصور في سلع بعينها، فقد يميل البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة مع متابعة دقيقة للتطورات.
اتساع نطاق التضخم
أما إذا أظهرت البيانات اتساع نطاق التضخم واستمراره، أو ظهرت ضغوط ملموسة على سعر الصرف نتيجة تراجع تدفقات النقد الأجنبي، فقد يتجه المركزي إلى تشديد نقدي محدود واحترازي لاحتواء التوقعات التضخمية ودعم استقرار العملة.
أكد على أن صانع السياسة النقدية سيواجه معادلة دقيقة بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النمو، إذ إن رفع الفائدة قد يخفف الضغوط السعرية لكنه يزيد تكلفة التمويل ويبطئ النشاط الاقتصادي، بينما قد يسمح التثبيت المفرط بترسخ توقعات تضخمية مرتفعة، ومن ثم، يبدو أن السيناريو الأقرب في الأجل القصير هو التثبيت الحذر مع الاستعداد للتحرك إذا تطلبت الظروف ذلك، على أن تظل قرارات الفائدة رهينة بثلاثة محددات رئيسية: مسار الصراع الجيوسياسي، واتجاه أسعار الطاقة عالميًا، واستقرار تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري.
ومن جانبه قال الخبير المصرفي محمد سيد إن الاقتصاد المصري يواجه لحظة دقيقة تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية العالمية مع اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الطاقة، وهو ما يعيد ملف التضخم وأسعار الفائدة إلى صدارة المشهد الاقتصادي.
السياسة النقدية في مصر
وأوضح أن السياسة النقدية في مصر تقف حاليًا أمام معادلة صعبة: الحفاظ على المسار النزولي للتضخم، دون التأثير سلبًا على وتيرة التعافي الاقتصادي.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يتأثر بثلاث قنوات رئيسية لنقل الضغوط التضخمية، الأولى تتعلق بأسعار الطاقة العالمية، حيث ينعكس أي ارتفاع في النفط أو الغاز مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، أما القناة الثانية فهي سعر الصرف وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، في ظل حساسية الأسواق الناشئة لتحركات المستثمرين العالميين.
بينما تتمثل القناة الثالثة في الواردات الغذائية وسلاسل الإمداد التي تظل عرضة للتقلبات مع تصاعد التوترات الإقليمية.
التضخم في مصر
وأوضح أن معدل التضخم في مصر تراجع من ذروته التاريخية التي تجاوزت 38% خلال عام 2023 إلى نحو 11.9% مطلع عام 2026، إلا أن الضغوط الحالية تعكس في جوهرها ما يعرف بـ“تضخم العرض”، الناتج عن ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وهو ما يجعل الوصول إلى معدل تضخم في النطاق الأحادي أكثر صعوبة مما كان متوقعًا.
ولفت إلى أن السياسة النقدية شهدت تحولًا ملحوظًا بعد أن بلغت أسعار الفائدة ذروتها عند 27.25% للإيداع في مارس 2024، قبل أن يبدأ البنك المركزي المصري دورة تيسير تدريجية بلغ إجماليها نحو 725 نقطة أساس، لتصل الفائدة إلى 19% للإيداع و20% للإقراض، إلى جانب خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 16%.
وأوضح أن هذا التحول استند إلى عدة عوامل، أبرزها تراجع التضخم الأساسي، وتحسن نسبي في استقرار سعر الصرف، وارتفاع الاحتياطي النقدي الذي تجاوز 46 مليار دولار.
كما أن الفائدة الحقيقية لا تزال إيجابية بنحو 7%، ما يمنح البنك المركزي مساحة للمناورة دون استعجال العودة إلى التشديد النقدي.
الآفاق الاقتصادية العالمية
ومع ذلك، فإن الآفاق الاقتصادية العالمية لا تزال عرضة للمخاطر، وهو ما يفسر تبني نهج “التيسير الحذر” بدلًا من التخفيضات السريعة في أسعار الفائدة.
وأشار الخبير المصرفي إلى أن السؤال المطروح حاليًا في الأوساط الاقتصادية يتمثل في مدى احتمالية لجوء البنك المركزي إلى رفع الفائدة مجددًا كإجراء استباقي.
ورجح أن السيناريو الأقرب على المدى القصير هو سياسة التثبيت مع الترقب، خاصة في ظل عدم وجود صدمة قوية في سعر الصرف حتى الآن، موضحًا أن التسرع في التشديد قد يبطئ التعافي الاقتصادي ويرفع تكلفة خدمة الدين، في حين أن التيسير السريع قد يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخمية مرتفعة.