الأحد، 31 مايو 2026 04:38 م
رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
بدور ابراهيم
عاجل
مصر

كنوز إهناسيا المدينة: كشف أثري جديد يزيح الستار عن تنوعها الحضاري وبقايا "بازيليكا" رومانية

الأحد، 31 مايو 2026 03:54 م
كشف أثري جديد
كشف أثري جديد

نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة إهناسيا المدينة بمحافظة بني سويف، برئاسة الدكتور محمد إبراهيم مدير عام منطقة آثار بني سويف، في التوصل إلى سلسلة من الاكتشافات الأثرية الهامة. وتُلقي هذه المكتشفات مزيدًا من الضوء على الأهمية الدينية والحضارية الاستثنائية للمدينة، مبرزةً تعاقب العصور المصرية القديمة، اليونانية، والرومانية عليها.

شواهد من الدولة الوسطى والعصر الروماني
 

شملت الاكتشافات الحديثة العثور على كتلة حجرية مُعاد استخدامها تحمل نقشًا بارزًا لاسم الملك "سنوسرت الثالث"، متضمنة اسمي التتويج والميلاد. كما تم الكشف عن خرطوش آخر يحمل اسم المعبود "أوزير نا رف"، وهو أحد المعبودات الرئيسية التي حظيت بالتقديس في إهناسيا خلال العصور المصرية القديمة والعصر البطلمي.

وعلى صعيد الآثار الكلاسيكية، نجحت البعثة في العثور على امتدادات لبازيليكا رومانية، وبقايا معبد دوري قديم، بالإضافة إلى رأس تمثال نادر مصنوع من الرخام للمعبودة "أفروديت" (إلهة الحب والجمال عند الإغريق)، فضلًا عن أجزاء من تماثيل جدارية وقوالب فخارية مخصصة لسك العملات تعود للعصر الروماني.

رؤية استراتيجية لتطوير المقاصد السياحية
 

وفي هذا السياق، أكد السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذه الاكتشافات تمثل إضافة علمية وأثرية مهمة تسهم في إبراز القيمة التاريخية الكبيرة لمنطقة إهناسيا المدينة، وتعكس التنوع الحضاري والثقافي الذي شهدته مصر عبر العصور المختلفة.

وأوضح الوزير أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا بكافة المواقع الأثرية على مستوى الجمهورية، وذلك في إطار خطتها الشاملة لرفع كفاءتها، وتطويرها، وفتح مواقع جديدة أمام الحركة السياحية، بما يسهم بشكل فعال في تنويع المقاصد لمنتج السياحة الثقافية.

مكانة مقدسة وتطور معماري فريد
 

من جانبه، أوضح هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف عن خرطوش يحمل اسم الملك سنوسرت الثالث يعد من الاكتشافات المهمة؛ خاصة وأن هذا الملك ارتبط بعدد من المنشآت الأثرية المهمة في إهناسيا المدينة، مما يؤكد مكانتها المقدسة لدى المصري القديم واهتمام ملوك الدولة الوسطى بها.

وأشار الليثي إلى أن الكشف عن امتدادات البازيليكا الرومانية يوضح التطور المعماري والوظيفي لهذا الطراز الفريد؛ حيث استُخدمت البازيليكا في العصر اليوناني كمبنى عام للاجتماعات والأنشطة الإدارية والتجارية، قبل أن تتحول خلال العصر المسيحي المبكر إلى كنيسة لممارسة الشعائر الدينية والاجتماعات الكنسية.

هندسة التشييد وإعادة استخدام الأحجار
 

وأضاف الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة بالمجلس الأعلى للآثار، أن الدراسة الأولية لبقايا المعبد الدوري القديم أظهرت أن عناصره المعمارية أُعيد استخدامها خلال القرن السادس الميلادي كأساسات وأرضيات حاملة لأعمدة البازيليكا.

وقام منشئو البازيليكا بإعادة رص الأحجار والكتل الحجرية بصورة غير منتظمة لتكوين قاعدة قوية تتحمل الأوزان الضخمة للأعمدة، والتي يُقدر وزن بعضها بنحو 45 طنًا، ولا تزال ثلاثة منها قائمة في مواضعها الأصلية حتى الآن.

ملامح دقيقة لروائع الفن الكلاسيكي
 

وفيما يتعلق برأس تمثال أفروديت، أوضح عبد البديع أنه يُعد من القطع الفنية النادرة؛ فالتمثال مصنوع من الرخام ويبلغ قياسه نحو 24 × 25 سم، ويتميز بدقة التنفيذ العالية وجمال التفاصيل الفنية التي تظهر ملامح الوجه والشعر المجعد بأسلوب يعكس السمات الفنية الكلاسيكية الشائعة في تماثيل المعبودات والشخصيات البارزة خلال تلك الفترة.

وفي سياق متصل، أشار الدكتور سامي درديري، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، إلى أن بقايا التماثيل الجدارية المكتشفة، إلى جانب قوالب سك العملات الفخارية، تعكس بوضوح مكانة المدينة المرموقة خلال العصر الروماني واستمرار ازدهارها الحضاري والاقتصادي، لافتًا إلى أن البعثة تواصل حاليًا أعمال الدراسة والتأريخ العلمي لهذه المكتشفات.

عاصمة "هرقل العظمى" عبر التاريخ
 

جدير بالذكر أن إهناسيا المدينة تُعد من أهم المواقع الأثرية في مصر؛ إذ كانت عاصمة للبلاد خلال عصري الأسرتين التاسعة والعاشرة، كما كانت عاصمة للإقليم العشرين من أقاليم مصر العليا. وحظيت المدينة بأهمية بالغة خلال عصور الدولة الوسطى والحديثة والعصر الانتقالي الثالث، فضلاً عن ازدهارها الشديد خلال العصرين اليوناني والروماني، حين عُرفت باسم "هيراكليوبوليس ماجنا" أي "مدينة هرقل العظمى".

وتأتي هذه الاكتشافات المتوالية في إطار جهود المجلس الأعلى للآثار المستمرة للكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وتعزيز الدراسات الأثرية والتاريخية بالمواقع المختلفة، بما يسهم في الحفاظ على التراث الثقافي المصري والترويج له على نطاق عالمي.