خبراء: البنوك تتحول نحو دراسة جدوى تمويل كل مشروع بقطاع العقارات والمقاولات على حدة
بدأت البنوك في تبني توجهاً مختلفاً في تمويل شركات المقاولات والتطوير العقاري عبر التركيز دراسة المشروع نفسه ومراحل تنفيذه وقدرته على توليد السيولة وسداد الالتزامات.
يرى مصرفيون أن هذا التوجه يعكس إدارة أكثر دقة للمخاطر، خاصة مع ضخامة انكشاف البنوك على القطاعين، لكنه يحتاج إلى تحقيق توازن يحافظ على تدفق التمويل للمشروعات القادرة على التنفيذ، دون التسبب في قيود ائتمانية قد تؤثر على النشاط والاستثمار.

من جانبه، قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، في حديث مع "أصول مصر" إن ارتفاع تكلفة التمويل يجعل قوة المشروع وقدرته على توليد التدفقات النقدية عاملاً أكثر أهمية في قرارات البنوك الائتمانية، خاصة في قطاعات المقاولات والتطوير العقاري.
أوضح أن أرصدة الإقراض والخصم للعملاء ارتفعت من 10.377 تريليون جنيه في ديسمبر 2025 إلى 11.390 تريليون جنيه في مارس 2026، بزيادة 9.8% خلال الربع الأول، بما يؤكد أن البنوك المصرية لم تغلق باب الائتمان، وأن أي تشدد محتمل تجاه المقاولات أو التطوير العقاري لا يعني انكماشاً عاماً في التمويل المصرفي.
أضاف أن بقاء سعر عائد الإقراض لليلة واحدة عند 20%، وهو السعر المرجعي ضمن ممر أسعار الفائدة بالبنك المركزي، يزيد حساسية المشروعات لتكلفة التمويل.
تابع أبوالفتوح: "كل تأخير في التنفيذ أو التحصيل يرفع الأعباء التمويلية ويضغط على التدفقات النقدية".
أشار إلى أنه في ظل ارتفاع تكلفة التمويل أصبحت البنوك تولي اهتماماً أكبر بقدرة المشروع على توفير السيولة والالتزام بجداول التنفيذ والتحصيل، وهو ما يعكس دقة أكبر في تقييم المخاطر دون أن يعني بالضرورة تغيير قواعد التمويل.
أظهرت أحدث تقارير الاستقرار المالي الصادرة عن البنك المركزي استحواذ قطاع التشببد والبناء على 23.2% من تسهيلات أكبر 100 مقترض حتى مارس 2025، مقابل 10.3% للتنمية العقارية، بينما بلغ نمو تسهيلات التشييد والبناء 35.3%.
وفق التقرير، بلغ نمو نشاط التشييد والبناء 5.2% خلال الربع الثالث من العام المالي 2025/2026، فيما بلغت الاستثمارات المنفذة 637 مليار جنيه، واستحوذ القطاع الخاص على 65% منها.
أوضح أبو الفتوح أن الأرقام الحالية تثبت استمرار نمو الائتمان وارتفاع تكلفة التمويل ووجود انكشاف واضح للبنوك على القطاع، بينما يظل تحديد مدى انتشار التمويل المرتبط بمشروعات محددة بحاجة إلى بيانات إضافية.
قال إن المشروع القادر على التحصيل في موعده سيحدد شكل التمويل القادم، وليس العكس.
من جانبها قالت دينا الوقاد، محللة الاقتصاد الكلي، إن ما يحدث في سوق التمويل يعكس تحولاً مهماً في طريقة البنوك في تمويل قطاعي المقاولات والتطوير العقاري، وليس مجرد تشدد ائتماني مؤقت.
أوضحت الوقاد في حديث مع "أصول مصر" أن ربط التمويل بمشروع محدد يعد أمراً طبيعياً من الناحية المصرفية، خاصة في القطاعات التي ترتبط تدفقاتها النقدية بشكل مباشر بالمشروعات والعقود.
أضافت أن أهمية التطور الحالي تتمثل في اعتماد البنوك بصورة أكبر على التمويل القائم على المشروع والتدفقات النقدية المتوقعة منه، بدلاً من الاعتماد فقط على المركز المالي للشركة أو حجم أعمالها.
كما أشارت إلى أن هذا التوجه يحقق عدة مزايا، من بينها تقليل مخاطر استخدام التمويل في غير الغرض المخصص له، وربط كل دفعة تمويل بنسبة الإنجاز الفعلية للمشروع. كما أن الاستعانة باستشاري هندسي مستقل توفر للبنك رقابة فنية محايدة على معدلات التنفيذ والمستخلصات، بما يقلل فجوة المعلومات بين البنك والشركة.
أشارت إلى أن صرف التمويل على شرائح مرتبطة بنسبة الإنجاز يمثل أداة للرقابة المبكرة، إذ يتيح للبنك اكتشاف أي فجوة بين الجدول الزمني المخطط والتنفيذ الفعلي قبل ضخ كامل التمويل وتراكم المديونية.
برأي محللة الاقتصاد الكلي، فإن المشروع أصبح جزءاً أساسياً من تقييم الجدارة الائتمانية، حيث ينظر البنك إلى وجود العقد وجهة الإسناد وقدرتها على السداد، ومدى واقعية الجدول الزمني، وقدرة قيمة العقد على تغطية التكلفة بهامش أمان، فضلاً عن كفاية التدفقات النقدية المتوقعة لسداد التمويل.
فيما يتعلق بخطابات مد المشروعات، أوضحت الوقاد أن تأخر المشروع دون مستند رسمي يثبت مد فترة التنفيذ يزيد درجة عدم اليقين أمام البنك، خاصة عندما يكون أجل التمويل مرتبطاً بالتدفقات النقدية للمشروع، وهو ما قد يدفع البنك إلى مزيد من التحفظ عند تجديد التسهيلات أو زيادتها.
فيما حذرت في الوقت نفسه من أن تطبيق هذا النموذج بشكل مفرط قد يفرض قيوداً تمويلية على شركات لديها مشروعات جيدة، لكنها تواجه تأخيرات بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء أو تغيرات السوق.
شددت الوقاد على أهمية تحقيق التوازن من خلال التدرج في التمويل وفقاً لطبيعة المشروع ودرجة المخاطر، وربط السحب بمراحل التنفيذ ومراجعة التدفقات النقدية، مع استخدام الاستشاري المستقل كأداة رقابية مكملة للتقييم الائتماني.
اعتبرت أن السوق يشهد انتقالاً تدريجياً من التمويل القائم على الشركة إلى قدر أكبر من التمويل القائم على المشروع، وهو اتجاه مفهوم في ظل ارتفاع مخاطر التكلفة والتنفيذ والتدفقات النقدية، مؤكدة أن نجاحه يتطلب تحسين جودة الائتمان وتقليل مخاطر التعثر دون تقييد السيولة اللازمة لدعم الاستثمار والتشغيل والنشاط الاقتصادي.