الذكاء الاصطناعي.. نمو اقتصادي محتمل ومخاوف متصاعدة بشأن عدم المساواة
قد يقود التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب اقتصادية وعلمية واسعة، لكنه في الوقت نفسه قد يفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة، رغم التفاؤل المتزايد بأن هذه التكنولوجيا ستدفع العالم نحو عصر من الوفرة والنمو الاقتصادي غير المسبوق.
ويرى عدد من أبرز قادة قطاع الذكاء الاصطناعي أن التكنولوجيا الجديدة قادرة على إحداث طفرة تاريخية في الإنتاجية والنمو.
وتحدث مؤسس ديب مايند، ديميس هاسابيس، عن دخول العالم في «عصر من الوفرة الجذرية» يشبه العصر الذهبي، بينما يرى المستثمر التقني مارك أندريسن أن الارتفاع الكبير في الإنتاجية قد يجعل المخاوف المتعلقة بالتفاوت أقل أهمية.
فجوة بين النمو والرفاهية
وتتوقع التقديرات المتوسطة لفريق الاقتصاد في شركة أنثروبيك وصول معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي إلى 8% بحلول عام 2030، وفقاً لما أورده الاقتصادي والرئيس السابق لهيئة الخدمات المالية البريطانية أدير تيرنر.
لكن تيرنر يرى أن التقدم التقني الهائل الذي يحققه الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لمقاييسه الحالية، أو تحسن رفاهية الإنسان بالوتيرة نفسها، محذراً من أن التكنولوجيا قد تؤدي في بعض الحالات إلى تعميق المخاوف المرتبطة بتوزيع الدخل والثروة.
ويوضح أن المجتمعات كلما ازدادت ثراءً، خصصت نسبة أكبر من نشاطها الاقتصادي لمجالات تقوم على منافسة يكون فيها مكسب طرف ما بمثابة خسارة لطرف آخر، بدلاً من أن تؤدي هذه الأنشطة بالضرورة إلى زيادة الرفاهية للجميع.
إنفاق بلا عائد مباشر
ويضرب تيرنر مثالاً على ذلك بالهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي قد تدفع الشركات والحكومات إلى زيادة الإنفاق على الأمن السيبراني بصورة مستمرة، من دون أن يقابل ذلك بالضرورة منفعة مباشرة للمستهلك النهائي.
وفي قطاع الخدمات القانونية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي إلى أتمتة عدد من المهام، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام موجة كبيرة من الدعاوى والشكاوى والأوامر القضائية التي يتم إعدادها بواسطة الأنظمة الذكية.
ويتوقع تيرنر في المقابل أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق اختراقات علمية كبيرة، ولا سيما في مجال اكتشاف الأدوية، بما قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تسمح للإنسان بالعيش حتى 100 عام من دون أمراض.
مكاسب مؤقتة
ويشير الكاتب إلى أن هذه التطورات ستنعكس في البداية على الناتج المحلي الإجمالي من خلال الإنفاق على الأبحاث والتصنيع وأرباح شركات الأدوية، لكن الصورة قد تتغير بعد انتهاء حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهذه الأدوية، وبدء إنتاجها في مصانع تعتمد بدرجة كبيرة على الذكاء الاصطناعي.
وفي هذه المرحلة، قد تتراجع الأرباح والأجور والمساهمة المباشرة لهذه الأنشطة في الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد، حتى مع استمرار استفادة البشر من تلك الأدوية والخدمات.
ويرى تيرنر أنه إذا أصبحت سلعة أو خدمة ما متاحة بوفرة شبه غير محدودة بفضل الذكاء الاصطناعي، فإن قيمتها الاقتصادية المقاسة قد تصبح ضئيلة للغاية، رغم بقاء منفعتها للبشر مرتفعة، وفقاً لمقاله في صحيفة فايننشال تايمز.
رفاهية لا تظهر في الحسابات
ويوضح تيرنر أن ارتفاع مستوى رفاهية الإنسان لا يعني بالضرورة زيادة الإيرادات الحكومية، إذ يعتمد تمويل أعباء الدين العام والإنفاق الحكومي على الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وليس على المكاسب غير المرئية التي يمكن أن تحققها التكنولوجيا للمجتمع.
ويضيف أن التحسينات التي قد يحدثها الذكاء الاصطناعي في جودة الحياة لن تنهي الخلافات السياسية المتعلقة بتوزيع أعباء الإنفاق العام وتحديد الجهة التي تتحمل تكلفته.
أضرار غير محسوبة
ويلفت الكاتب إلى أن المنافع المتوقعة من الذكاء الاصطناعي ستتزامن مع أضرار محتملة، بعيداً عن السيناريوهات القصوى المرتبطة بانقراض البشرية.
ويشير إلى أن تقنيات التزييف العميق والتلاعب المدعومة بالذكاء الاصطناعي تسهم في زيادة عمليات الاحتيال عبر الإنترنت، كما ترفع المخاطر التي تواجه الصحة النفسية للمراهقين، مؤكداً أن هذه الأضرار، شأنها شأن كثير من المنافع، قد لا تظهر في بيانات الناتج المحلي الإجمالي.
تهديد للطبقة المتوسطة
ويتوقع تيرنر أن يوفر الذكاء الاصطناعي مزايا إضافية لأصحاب المهارات المرتفعة، ومن بينهم العلماء والمديرون التنفيذيون والمحامون، لكنه في المقابل قد يشكل تهديداً للعمال من ذوي المهارات المتوسطة.
ويرى المتفائلون أن ركود الأجور لن يمثل مشكلة كبيرة، على أساس أن كثيراً من السلع والخدمات سيصبح أقل تكلفة بصورة كبيرة، إلا أن تيرنر يعتبر هذا الطرح مضللاً ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة النفقات التي يصعب خفضها.
السكن يفاقم الفجوة
ويؤكد تيرنر أن سكان المجتمعات الأكثر ثراءً يخصصون جزءاً متزايداً من دخولهم لشراء أصول أو خدمات تتسم بالندرة بطبيعتها.
ويأتي السكن في المناطق الجذابة في مقدمة هذه الموارد النادرة، وهو ما يفسر، بحسب الكاتب، ارتفاع نسبة أسعار المنازل إلى الدخول في مناطق مختلفة من العالم.
ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي لن يزيد عدد المواقع السكنية المميزة والمتاحة في المدن المرغوبة، ولذلك ستواصل أسعار الأراضي والعقارات في هذه المناطق الارتفاع بصورة نسبية.
اتساع عدم المساواة
ويخلص تيرنر إلى أن المخاوف المتعلقة بعدم المساواة قد تتزايد بدلاً من أن تتراجع في عالم يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.
ويشير إلى أن انخفاض أسعار ألعاب الحاسوب ووسائل الترفيه والسلع المصنعة لن يعوض بالضرورة شعور أصحاب الدخول المتوسطة بتراجع قدرتهم على امتلاك مساكن في المدن الكبرى مثل لندن وباريس وسيؤول وشنغهاي.
ويؤكد في ختام مقاله أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين رفاهية الإنسان، كما يمكن أن يلحق بها الضرر، وأن النتيجة النهائية ستتوقف على الخيارات والسياسات التي تتبناها المجتمعات، لافتاً إلى أن كثيراً من الآثار الإيجابية والسلبية الأكثر أهمية قد لا تظهر أصلاً في بيانات الناتج المحلي الإجمالي.