وارش يعيد رسم استراتيجية الفيدرالي.. الفائدة والميزانية تحت المجهر
بعد 127 يومًا على توليه رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بدأ كيفن وارش في ترجمة تعهداته بإعادة صياغة نهج البنك المركزي إلى خطوات عملية، خصوصًا في طريقة التواصل مع الأسواق وآلية النظر إلى السياسة النقدية.
وبينما يتحرك وارش سريعًا في الملفات التي تقع ضمن نطاق سيطرته المباشرة، تظل قدرته على إحداث تغييرات أوسع مرتبطة بأوضاع الاقتصاد ومواقف زملائه في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما يجعل مسار الإصلاح أكثر تعقيدًا.
تغيير في أسلوب الفيدرالي
ترك وارش بصمته سريعًا على أسلوب التواصل داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بدءًا من تقليص مدة المؤتمر الصحفي الذي يعقب اجتماعات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، وصولًا إلى تغيير ترتيب جلوس الصحفيين ليصبح أبجديًا وفق المؤسسات الإعلامية.
لكن هذه التغييرات الشكلية تخفي تحولًا أعمق في طريقة تفكير وارش وعرضه لرؤيته للسياسة النقدية، وهو ما يمثل ابتعادًا واضحًا عن النهج الذي اتبعه رؤساء الفيدرالي السابقون، وفق تقرير لشبكة «سي إن بي سي».
في المقابل، لم يتمكن وارش حتى الآن من التحرك بشأن إحدى أولوياته الرئيسية، وهي تقليص الميزانية العمومية للفيدرالي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن التضخم أصبح يمثل تحديًا أكثر إلحاحًا.
الفائدة في صدارة المشهد
كما قيّد وارش نفسه في بعض الأولويات الأخرى من خلال تشكيل خمس فرق عمل لدراسة ممارسات الاحتياطي الفيدرالي، على أن تقدم هذه الفرق تقاريرها في مطلع العام المقبل.
ومن المرجح أن تمثل زيادة أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، التي أُقرت بالإجماع في الاجتماع الأخير، وما قد يتبعها من زيادات، أبرز ملامح المرحلة الأولى من ولاية وارش. وقد جاءت هذه الخطوة أيضًا في مواجهة المخاوف التي أثارها منتقدوه بشأن مدى استقلاليته عن الرئيس دونالد ترامب. وأكد الاحتياطي الفيدرالي رسميًا رفع نطاق سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى 3.75% و4% في 16 سبتمبر، في أول زيادة منذ عام 2023.
وبناءً على تفسيره لطريقة تعامله مع الأسواق والاقتصاد، يبدو أن استمرار التضخم في الارتفاع قد يدفع وارش إلى تأييد زيادات إضافية في أسعار الفائدة، بينما كانت الزيادة الأخيرة هي الأولى منذ عام 2023.
إشارات من وول ستريت
وبالنسبة إلى رئيس للفيدرالي يولي اهتمامًا كبيرًا لإشارات الأسواق، فقد عكست وول ستريت إشارة واضحة، إذ جرى تداول عائد سندات الخزانة لأجل عامين عند مستوى يزيد بنحو نقطة مئوية كاملة على سعر الفائدة الفعلي على الأموال الفيدرالية يوم الأربعاء، بما يعكس توقعات المتداولين بمزيد من الزيادات.
ويمثل هذا أكبر فارق بين عائد السندات لأجل عامين وسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية منذ عام 2023.
وبلغ معدل التضخم 3.7% وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي في يوليو، وهي أحدث قراءة متاحة في التقرير، ليظل بذلك أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2% لأكثر من خمس سنوات ونصف.
التخلي عن «السعر المحايد»
لطالما وصف رؤساء الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بأنه «تيسيري» أو «محايد» أو «تقييدي». لكن عندما سُئل وارش خلال مؤتمره الصحفي في 16 سبتمبر عن موقف السياسة النقدية مقارنة بالمستوى المحايد، استبعد الفكرة برمتها.
وقال وارش إن مفهوم السعر المحايد «مفيد من الناحية الأكاديمية»، لكنه لا يمثل عاملًا مؤثرًا في قرار رفع أسعار الفائدة.
وأثارت هذه التصريحات استياء بعض المصرفيين المركزيين الذين اعتادوا تقييم سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بالاستناد إلى هذه المصطلحات، فيما تساءلت الخبيرة الاقتصادية كلوديا سام عن الكيفية التي سيحدد بها وارش الحاجة إلى مزيد من رفع الفائدة وموعد التوقف عنها بعد التخلي عن المفهوم الذي يحدد طبيعة السياسة التيسيرية.
إطار جديد للسياسة
وكان منتقدو وارش قد رأوا، عقب أدائه في يوليو، أنه لم يقدم تصورًا متسقًا لكيفية تحديد أسعار الفائدة، إلا أن قراءة تصريحاته العلنية تشير إلى بلورة نهج جديد للسياسة النقدية بصورة تدريجية، وفق ما تنقل «سي إن بي سي».
ويعتمد هذا الإطار على مجموعة واسعة من المؤشرات المالية ومؤشرات السوق. وقد شدد وارش في ثلاث مناسبات خلال خطابه في جاكسون هول بولاية وايومنغ، وثلاث مرات أخرى في أحدث مؤتمر صحفي له، على أهمية «الظروف المالية» باعتبارها عنصرًا أساسيًا في رؤيته.
وأشار إلى أن تقييمه لظروف السوق يظهر أنها لا تتسم بالتقييد، مستعرضًا مجموعة من المؤشرات تشمل مستويات أسعار الأصول والتغيرات التي تطرأ عليها عبر القطاعات المختلفة، وأسعار سندات الخزانة وأحجام تداولها، وقيمة الدولار في أسواق الصرف، وتكلفة الائتمان وتوافره، إلى جانب أسعار مجموعة واسعة من السلع.
السوق تحت المراقبة
وقال وارش إن هذه المؤشرات وغيرها ينبغي أن توجه رؤية الاحتياطي الفيدرالي قصيرة الأجل بشأن النشاط الاقتصادي والتضخم على امتداد الدورة الاقتصادية، كما ينبغي أن تكشف عن حالة الظروف المالية الأوسع نطاقًا، والمخاطر وحالات عدم اليقين المرتبطة بالدورة المالية.
وقد يبدو هذا المنطق دائريًا للبعض، لأن التوقعات بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي تمثل جزءًا كبيرًا من الظروف المالية، ما قد يؤدي إلى نتيجة مفادها أن السوق يخبر البنك المركزي بما يتوقع منه أن يفعله.
لكن بالنظر إلى تصريحات وارش كما وردت، فإنها تشير إلى إمكانية إجراء مزيد من زيادات أسعار الفائدة، خصوصًا مع استمرار قوة سوق الأسهم، وقوة سوق العمل، وغياب القيود المشددة في معظم مؤشرات الظروف المالية على عمليات الإقراض والاقتراض، إلى جانب استمرار قوة النمو الاقتصادي.
توقعات برفع جديد
وتعكس الأسواق الرسالة نفسها، إذ تبلغ احتمالية رفع أسعار الفائدة مجددًا خلال أكتوبر 70%، مع تسعير السوق لاحتمالية إجراء زيادتين إضافيتين في الفترة الممتدة من الآن وحتى مارس.
ويركز وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بدرجة كبيرة على مؤشرات السوق التي قد تبدو غامضة في بعض الأحيان، أكثر من رؤساء المجلس السابقين، وهو ما يذكّر إلى حد ما بالرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان، الذي اشتهر بتتبعه مجموعة واسعة من المؤشرات، بدءًا من خطط الإنفاق الرأسمالي للشركات وصولًا إلى أسعار الخردة المعدنية.
وفي خطابه في جاكسون هول، قال وارش إنه يراقب مجموعة من المؤشرات المتعلقة بالتوسع النقدي، من بينها فروق أسعار الفائدة، واستطلاع رأي كبار مسؤولي الإقراض الذي يجريه الاحتياطي الفيدرالي لقياس استعداد البنوك للإقراض، فضلًا عن توافر الائتمان والطلب عليه.
السيولة والائتمان
وخلص وارش إلى أن السيولة متاحة بكثرة، مشيرًا إلى أن ذلك يفسر النمو الذي شهدته القروض خلال العام، وأن أسواق الائتمان والإقراض لا تظهر سوى مؤشرات محدودة على تشديد السياسة النقدية.
ولا تعني ظروف الائتمان الميسرة بالضرورة رفع أسعار الفائدة، إذ يرى وارش أن البنك المركزي قد يحتاج إلى كبح جماح نظام الائتمان الخاص عندما يصبح الحصول على الائتمان مفرطًا، خصوصًا إذا ظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف.
وقال وارش في ختام حديثه في جاكسون هول إنه ينبغي الانتباه إلى الأموال التي يصدرها البنك المركزي، وكذلك الأموال التي تأتي من الأنظمة المصرفية والمالية.
إصلاحات بوتيرة أبطأ
ويفتح استمرار ظروف الائتمان الميسرة الباب أمام مزيد من رفع أسعار الفائدة وفق الإطار الذي يطرحه وارش، لكن من المرجح أن يرتبط أي رفع إضافي باستمرار ارتفاع التضخم بالتزامن مع صعود أسعار النفط والديزل.
وقال وارش في جاكسون هول أيضًا إن الارتفاع الأخير في أسعار السلع الأساسية بشكل عام يستحق المتابعة والمراقبة.
وفي المقابل، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أعضاء آخرون في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة قد تخلوا عن إطار «السعر المحايد» واعتمدوا نهجًا يتماشى بدرجة أكبر مع مفهوم وارش الواسع للظروف المالية.
خلاف داخل الفيدرالي
ورغم أن الظروف المالية كانت دائمًا جزءًا من طريقة تقييم مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي للسياسة النقدية، فإن عددًا محدودًا منهم يتحدث عنها حاليًا باعتبارها أكثر من مجرد عنصر ضمن عملية اتخاذ القرار.
وكان جيروم باول، الرئيس السابق للفيدرالي، قد أشار مرارًا إلى صعوبة تحديد «السعر المحايد»، لكنه ظل يصف أسعار الفائدة بأنها «تقييدية بشكل معتدل».
ويظل وارش، حتى الآن، العضو الأبرز الذي يرفض تقديم توقعات لمسار سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية ضمن «ملخص التوقعات الاقتصادية»، المعروف باسم «مخطط النقاط»، بينما يواصل عدد من أعضاء المجلس طرح توقعاتهم بشأن الاقتصاد وأسعار الفائدة في الخطب والمقابلات، وهي ممارسة لا يتبعها وارش.
الميزانية تنتظر
وتسلط هذه الحالة من التردد الضوء على الجوانب الأبطأ في عملية التحول التي يقودها وارش، إذ ورث لجنة فدرالية واقتصادًا يتعين عليه إدارتهما، ويعمل كلاهما على إبطاء بعض الإصلاحات التي يسعى إلى تنفيذها.
وربما كان الإصلاح الأبطأ مرتبطًا بأحد أقدم أولويات وارش في مجال السياسة النقدية؛ فمنذ عام 2011 على الأقل، دعا إلى عكس مسار نمو الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، التي تبلغ حاليًا 6.7 تريليون دولار.
ومع ذلك، لم يلتزم وارش حتى الآن بخطة محددة لتحقيق ذلك، سواء من خلال بيع الأوراق المالية التي يمتلكها البنك بالفعل أو السماح للسندات بالوصول إلى تاريخ استحقاقها من دون استبدالها.
الاقتصاد يعقّد المهمة
وكان وارش قد غادر ولايته الأولى في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في ذلك العام بسبب عدم ارتياحه لتضخم الميزانية العمومية، رغم قوله إنه صوت لصالح توسيعها بدافع الولاء للمؤسسة.
أما الآن، وبعد عودته وتوليه قيادة أجندة الاحتياطي الفيدرالي، فيجد نفسه أمام قيود تحول دون التحرك سريعًا لتقليص الميزانية العمومية، رغم أن هذه الخطوة كانت ستسحب، نظريًا، مزيدًا من تدابير التحفيز من الاقتصاد.
وأظهرت محاضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو أن أعضاء آخرين ممن يملكون حق التصويت كانوا مترددين في اتخاذ خطوات سريعة نحو تقليص الميزانية، مفضلين انتظار نتائج وتقارير فرق العمل التي شكلها وارش. ويشير الموقع الرسمي للاحتياطي الفيدرالي إلى أن البنك أعلن بالفعل تشكيل خمس فرق عمل لدراسة مجالات مرتبطة بإدارة السياسة النقدية.
توقيت معقد
كما ربما زادت حالة الاقتصاد والأسواق من تعقيد خطط وارش، فمع بقاء التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي والارتفاع الحاد في أسعار النفط، برزت أمام اللجنة حاجة ملحة لمعالجة ملف الأسعار.
وجعل ذلك التوقيت أقل ملاءمة لإجراء تجارب لاختبار وجهة نظر وارش بشأن أن تقليص الميزانية العمومية يمكن أن يؤدي إلى كبح الاقتصاد بصورة ملموسة.
وفي الوقت نفسه، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات ليتجاوز 5%، ما دفع أسعار الفائدة على القروض العقارية وغيرها من ديون المستهلكين إلى الارتفاع، وهو ما يجعل بدء الاحتياطي الفيدرالي في مطالبة الأسواق باستيعاب كميات إضافية من القروض العقارية وسندات الخزانة خطوة أكثر تعقيدًا، إذا أقدم البنك المركزي على تقليص ميزانيته العمومية.