أوراق الخريف... سلطنة عُمان والمملكة المتحدة علاقات تاريخية وتعاون بلا حدود
ترتبط سلطنة عُمان والمملكة المتحدة بعلاقات وصداقة تاريخية وثيقة، وجذور ممتدة لأكثر من قرنين من الزمان، لذا جاءت دعوة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا للسلطان هيثم بن طارق المعظم لزيارة «دولة» إلى بريطانيا العظمى، واستقباله في أفخم قصورها التاريخية والأثرية «قلعة وندسور».
وهي زيارة لها معانٍ كثيرة، فمسقط ولندن تربطهما مواثيق ومعاهدات واتفاقيات عديدة، وشراكة إستراتيجية منذ مئات السنين، منذ زمن الإمبراطوريتين العُمانية والبريطانية، فهذه الزيارة السلطانية الأولى للسلطان هيثم – حفظه الله – سبقتها زيارات عدة لسلاطين عُمان إلى بريطانيا، وزيارات مماثلة لملوك وملكات العائلة المالكة البريطانية لسلطنة عُمان، وهي تأكيد وثيق لهذه العلاقة المتينة والراسخة ومكانتها لدى العائلتين والبلدين والشعبين الصديقين.
فالعلاقات العُمانية البريطانية راسخة ووطيدة، وتُرجِمت في شراكات تعاون في مجالات عدة طوال هذه السنوات، وتضمنت معاهدات واتصالات وزيارات ثنائية، وأيضًا كان للأسطول العُماني وقفات مع بريطانيا في المحيط الهندي وإفريقيا وفي الحرب العالمية، وهذا الدور لسلطنة عُمان ومكانتها التاريخية والحضارية لا شك أسهم في توطيد هذه العلاقات بين البلدين الصديقين في مختلف المجالات، وعكسه بالأمس معرض مقتنيات المجموعة الملكية في القلعة ومأدبة الدولة في قصر وندسور وغيرهما من المشاهد الاحتفالية الكبرى.
زيارة ستسهم بلا شك في توسيع آفاق هذه العلاقات التاريخية، التي توطدت في وثيقة رسمية عام 1800، وستظل هذه العلاقة والصداقة كما أكدها السلطان المعظم في كلمته ثابتة وراسخة ولا تتزعزع مدى الدهر، وكما أكدتها الملكة إليزابيث مسبقًا: «علاقاتنا مع عُمان راسخة إلى الأبد»، واليوم نشاهدها في جوانب مختلفة كالاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والابتكار والتعليم وغيرها.
لذا حظي السلطان المعظم هيثم بن طارق باستقبال سيبقى في الذاكرة، ولقاءات جلالته – أعزه الله – والوفد الرسمي المرافق له مع العديد من الشخصيات الملكية والرسمية تعزز هذا التوجه الرسمي في العلاقات والشراكة الإستراتيجية القوية، وتجسد عمق العلاقات الوثيقة بين السلطنة والمملكة المتحدة، مع تأكيد البلدين مواصلة تعزيز هذه الشراكة بينهما.
فالاستضافة والدعوة الملكية تندرجان في إطار الاهتمام الملكي البريطاني بتعزيز هذه العلاقات الراسخة لمئات السنين، وزيارة الدولة لسلطان البلاد المفدى أعطت هذه العلاقة خصوصية منفردة، وظهر ذلك جليًّا في نوعية الاستقبال والحفاوة وما قُدِّم من مقتنيات وإرث عريق لهذه العلاقة بين مسقط ولندن، وهذا مؤشر على متانة العلاقات وقوتها والتعاون القائم بينهما، وكلمة الملك تشارلز الثالث في حفل العشاء وإشادته بتاريخ السلطنة البحري العريق وقوله وإعلانه بأنه «يسبق تأسيس المملكة المتحدة»، هي تأكيد لقوة هذه الصداقة الرفيعة ومتانتها بين البلدين.
فزيارة السلطان هيثم عكست بقوةٍ عمق هذه العلاقة بين العائلتين، لذا كان الاستقبال مختلفًا كليًّا، والفعاليات الرسمية كذلك، وسفينة الصداقة تبحر بكل حرية وأمان وتزداد رسوخًا وقوة رغم ما يحدث هنا وهناك، فضيف جلالة ملك المملكة المتحدة الكبير يستحق هذه الحفاوة، وزيارة الدولة هي محطة بارزة في مسيرة العلاقات العُمانية البريطانية التاريخية الضاربة في الجذور منذ أول لقاء جمع بين أبناء البلدين، وتجسَّدت هذه العلاقات في الشراكة القوية بين البلدين وعلى أعلى المستويات.
لقد حرص السلطان المعظم والملك تشارلز الثالث في كلمتيهما على التأكيد العميق لهذه العلاقة الثنائية الراسخة، واليوم يحرصان على الارتقاء بالتعاون المشترك بينهما إلى آفاق أرحب في المجالات المستقبلية، مع حرصهما الشديد على إرساء أسس الاستقرار والسلام المُستدام بالمنطقة والعالم.
ومن هنا، فإن الترحيب الملكي البريطاني بهذه الزيارة السلطانية لرابع سلاطين عُمان جوهري لمكانة سلاطين عُمان والسلطنة، فكما كانت محطة فيكتوريا في لندن على موعد مع مشهد عُماني استثنائي آنذاك عام 1982 خلال استقبال الملكة إليزابيث الثانية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيَّب الله ثراه – أثناء وصوله في مستهل الزيارة التي حملت الطابع البروتوكولي الأعلى في العلاقات بين الدولتين، كانت محطة «داتشت بوندسور» منصة استثنائية بالعربات والموكب الملكي، في مشهد تاريخي واستثنائي ملكي أيضًا للسلطان هيثم بن طارق.
حقًّا، البلدان يملكان تاريخًا وحضارة عريقة، لذا كانت مأدبة الدولة الفخمة والكلمات التي عبَّرت عن عمق العلاقات التاريخية ومكانتها تعبيرًا صريحًا وواضحًا عن أن ما يربط مسقط ولندن يتعدى الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وغيرها، وهذا استحقاق تاريخي لسلاطين عُمان وملوك بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية والكومنولث.
واليوم تمضي سفينة هذه العلاقات بثبات نحو آفاق أرحب من التعاون المثمر بين الجانبين، وبالرغم من مضي أكثر من مائتين وعشرين عامًا، لا تزال هذه العلاقة والصداقة بين الدولتين ثابتة في ظل الاحترام المتبادل بين الجانبين.
فكلٌّ من سلطنة عُمان والمملكة المتحدة تجمعهما مصالح مشتركة ورؤى متقاربة، وهي نشر ثقافة السلام والحوار، ولقاء الأمس كان عناقًا وتوثيقًا وتأكيدًا ملكيًّا وسلطانيًّا للتاريخ العريق بين بلدين يعرفان جليًّا معنى السلام والصداقة والصلات الراسخة والوثيقة، فهما أقوى حليفين في التاريخ، وستبقى مسقط ولندن تستمدان من هذه العلاقات الراسخة والصُّلبة مكانتهما السياسية والأمنية لروح السلام والرخاء، والأمة الحكيمة حقًّا عليها أن تصغي للحلول السلمية وليس لقوة السلاح والجيوش، وستبقى الصداقة العُمانية البريطانية صامدة ومتطورة ومتميزة.. والله من وراء القصد.
د. أحمد بن سالم باتميرا
كاتب ومحلل سياسي عماني