الأحد، 20 سبتمبر 2026 12:31 م
رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
بدور ابراهيم
عاجل
اتصالات و تكنولوجيا

تحذيرات الذكاء الاصطناعي تتصاعد.. والأسواق تواصل تجاهل الخطر

الأحد، 20 سبتمبر 2026 11:36 ص
تحذيرات الذكاء الاصطناعي تتصاعد.. والأسواق تواصل تجاهل الخطر
تحذيرات الذكاء الاصطناعي تتصاعد.. والأسواق تواصل تجاهل الخطر

في الوقت الذي تتزايد فيه التحذيرات من المخاطر المحتملة لتطور نماذج الذكاء الاصطناعي وخروجها عن السيطرة، تبدو الأسواق المالية وكأنها تتعامل مع هذه المخاوف بقدر محدود من الاهتمام، رغم المليارات التي ضخها المستثمرون في القطاع خلال السنوات الماضية، والرهانات الكبيرة على قدرته على إعادة تشكيل الاقتصاد.

وتطرح الكاتبة كاتي مارتن، في مقال عبر صحيفة فايننشال تايمز، تساؤلًا بشأن الكيفية التي يمكن للمستثمرين من خلالها التعامل مع سيناريو بالغ التطرف، يتمثل في «نهاية العالم على يد الروبوتات»، وما إذا كان ينبغي أن تنعكس هذه المخاطر المحتملة على مراكزهم الاستثمارية.

تحذيرات متصاعدة

وتشير مارتن إلى أن التحذيرات القوية التي صدرت عن كبار مسؤولي شركات التكنولوجيا خلال الأسبوع الماضي تضمنت إقرارًا بإمكانية انتقال أدوات الذكاء الاصطناعي التي طورتها هذه الشركات، والتي حققت لها ثروات ضخمة، من مرحلة اختراق المواقع الإلكترونية بصورة شبه مستقلة إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في قتل البشر على نطاق واسع.

وترى أن مثل هذه التحذيرات تثير تساؤلات بشأن ممارسات حوكمة الشركات والإدارة الأساسية داخل شركات التكنولوجيا الكبرى غير المدرجة في البورصة، فضلًا عن كونها تحمل تداعيات خطيرة على البشرية.

وبالنسبة إلى الأسواق المالية، فإن استمرار الوجود البشري يمثل، بحسب المقالة، أساسًا للإنفاق الاستهلاكي واستغلال الموارد، وبالتالي فإن أي تهديد كبير لهذا الوجود سيكون له انعكاس مباشر على الأسواق، خصوصًا في ظل التركيز المرتفع للاستثمارات في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

الأسواق لا تبالي

ورغم ذلك، لم يتجاوز رد فعل الأسواق تجاه هذه التحذيرات، وفق المقالة، حدود الاضطراب المحدود، إذ شهدت الأسهم بعض التقلبات في بداية الأسبوع، خصوصًا أسهم شركات التكنولوجيا، بينما فقدت سوق الأسهم الكورية، المعروفة بارتباطها الوثيق بالذكاء الاصطناعي، أكثر من 3% من قيمتها.

في المقابل، تمكن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للشركات الأمريكية الكبرى، وكذلك مؤشر ناسداك الذي يضم عددًا كبيرًا من شركات التكنولوجيا، من الصمود إلى حد كبير أمام هذه المخاوف.

ولا يقتصر غياب رد الفعل القوي على الأسهم، إذ يصعب كذلك رصد تأثيرات واضحة على الأصول التي عادة ما ينظر إليها باعتبارها ملاذات آمنة، وفي مقدمتها السندات الحكومية.

السندات والذهب

وعادة ما تستجيب السندات الحكومية الأمريكية والدولار بصورة إيجابية للأخبار السيئة، وهو نمط ظل قائمًا إلى حد كبير، رغم مساعي الإدارة الأمريكية لتقويض مكانة هذه الأصول باعتبارها احتياطيات عالمية.

لكن الصورة اختلفت هذه المرة، إذ ظلت السندات عند مستويات متدنية لم تشهدها منذ عقود، فيما يبدو أن المستثمرين يشعرون بقلق أكبر إزاء العجز المالي مقارنة بمخاطر «الروبوتات الشيطانية».

كما ظل الذهب مستقرًا، من دون ظهور مؤشرات على تحركات قوية مرتبطة بحالة خوف واسعة في الأسواق.

فرص استثمارية جديدة

وتطرح مارتن تفسيرًا أول لحالة اللامبالاة هذه، يتمثل في احتمال أن تصب التحذيرات المتعلقة بمخاطر الذكاء الاصطناعي في مصلحة أسهم الشركات العاملة في منظومة القطاع، بدلًا من الإضرار بها.

فشركات الحوسبة السحابية العملاقة، التي تتسابق على تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، تلجأ إلى أسواق سندات الشركات لتوفير تريليونات الدولارات اللازمة لتمويل توسعها، وليس بسبب تعثر مالي، إلا أن تباطؤ الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وجعله أكثر عقلانية قد يكون مفيدًا في الواقع، وفق فايننشال تايمز.

كما أشار أحد المستثمرين إلى إمكانية ظهور قطاع جديد متخصص في حماية الشركات والأفراد من وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يفتح بدوره مجالًا استثماريًا جديدًا، بحسب مارتن.

شكوك المستثمرين

أما التفسير الثاني المحتمل، فيتمثل في أن المستثمرين قد لا يصدقون ببساطة التحذيرات التي يطلقها قادة مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى.

وبدلًا من التعامل معها باعتبارها إنذارات حقيقية، قد يرى مديرو الاستثمار فيها شكلًا غير تقليدي من التسويق، في ظل تنافس شركتي أوبن إيه آي وأنثروبيك على إثبات أن نماذجهما هي الأكثر تطورًا وخطورة، أو محاولة لتبرير التمهل وإعادة التفكير في كيفية تحقيق عوائد مالية من هذه النماذج.

وترى الصحيفة أن كلا التفسيرين لا يخدم سمعة قطاع الاستثمار، الذي من المرجح أن يمنح الشركتين تقييمات مرتفعة للغاية إذا طرحتا أسهمهما في الأسواق مستقبلًا، رغم المخاوف المرتبطة بقدرة قياداتهما الحالية على إبقاء التكنولوجيا التي تطورانها تحت السيطرة.

خطر لا يمكن التحوط منه

وهناك تفسير ثالث لحالة الهدوء في الأسواق، وهو أن التحذيرات قد تعكس بالفعل خطرًا حقيقيًا، لكنه خطر يصعب التحوط منه عبر أدوات الاستثمار التقليدية.

فإذا تعرض العالم لضربة واسعة من أدوات ذكاء اصطناعي خبيثة قادرة على تحسين نفسها بصورة متكررة، فلن يكون من السهل أن يحافظ أي أصل آمن على قيمته، ما يجعل التحوط المالي أمام مثل هذا السيناريو بالغ الصعوبة.

وفي ظل هذه الاحتمالات، ترى مارتن أن الخيار العملي للأسواق يتمثل في مواصلة المسار الحالي، مشيرة إلى أن أسواق الأسهم تجاهلت، أو تعافت سريعًا من، عدد كبير من الصدمات منذ بداية جائحة كورونا، بدءًا من انهيار تحالفات جيوسياسية، مرورًا بحربين تشملان دولًا رئيسية منتجة للطاقة، وصولًا إلى أزمة المصارف الإقليمية في الولايات المتحدة وغيرها من الأزمات.

الرهان على الإنقاذ

ويستند هذا السلوك الاستثماري إلى افتراض مفاده أنه إذا تراجعت قيمة الأصول عالية المخاطر لأي سبب، فإن البنوك المركزية والحكومات ستتدخل لدعم الأسواق، كما فعلت مرارًا منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وترى مارتن أن هذه النظرة قد تبدو «عدمية ومقلقة بعض الشيء»، لكنها في الوقت نفسه واقعية ومنطقية من منظور المستثمر، إذ لا يرغب أحد في أن يكون مدير الصندوق الذي يتخلى عن الأسهم خوفًا من «نهاية العالم على يد الروبوتات»، ليكتشف لاحقًا أن هذا السيناريو لم يتحقق، بينما استثمر في سندات تراجعت قيمتها بفعل تداعيات الانفلات المالي، وهو خطر تعتبره الأسواق أكثر واقعية.

وتختتم المقالة برسالة تلخص هذا الموقف الاستثماري: طالما أن «موسيقى الذكاء الاصطناعي» لا تزال تعزف، فعلى المستثمرين النهوض والرقص.