بعد قمة الرئيس الأمريكي ونظيره الصيني.. هل تنجح واشنطن وبكين في تفادي «فخ ثوسيديدس»؟
أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال زيارته إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طرح مفهوم «فخ ثوسيديدس» في صلب النقاش بشأن مستقبل العلاقات بين أكبر قوتين عالميتين، مؤكدًا إمكانية تجاوز المسار التاريخي الذي يربط صعود قوة جديدة باحتمالات الصدام مع القوة المهيمنة.
ويعكس هذا الطرح توجهًا صينيًا يقوم على الفصل بين المنافسة والصراع العسكري، إذ أكد شي أن بإمكان الصين والولايات المتحدة خوض منافسة «صحية» مع الحفاظ على قنوات التواصل ومنع تحول التوترات بينهما إلى مواجهة مباشرة.
ما هو «فخ ثوسيديدس»؟
ويشير مصطلح «فخ ثوسيديدس»، الذي شاع استخدامه بفضل غراهام أليسون، أستاذ جامعة هارفارد، في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إلى النمط التاريخي الذي قد تنشأ فيه حرب نتيجة التوتر بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة قائمة.
ويرتبط المصطلح بالمؤرخ والجنرال الإغريقي ثوسيديدس، الذي تناول في تاريخه لحرب «البيلوبونيز» صعود أثينا وما أثاره من قلق لدى إسبرطة، قبل اندلاع الحرب بين المدينتين-الدولتين.
والتقى أليسون بالرئيس شي وزار الصين عدة مرات، من بينها زيارة في يونيو 2016 للمشاركة في فعالية تابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، كما شغل منصب العميد المؤسس لكلية كينيدي بجامعة هارفارد، التي درس فيها على مدى عقود عدد من المسؤولين الحكوميين الصينيين.
شي يطرح المنافسة دون صدام
وسبق لشي أن تناول مفهوم «فخ ثوسيديدس» خلال مقابلة نشرتها صحيفة «هاف بوست» عام 2014، حين دعا إلى العمل المشترك لتجنب التوترات المدمرة بين القوى الصاعدة والقوى الراسخة.
كما سبق للرئيس الصيني أن طرح خلال قمة عقدت في مايو سؤالًا حول إمكانية تجاوز الصين والولايات المتحدة «فخ ثوسيديدس» وإقامة نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى.
وخلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، قال شي إن الصين والولايات المتحدة لا تحتاجان إلى تجنب الحديث عن المنافسة، لكن هذه المنافسة ينبغي أن تكون صحية وضمن حدود، وأن تتحول إلى «سباق للحاق ببعضهما البعض» بدلًا من صراع يفوز فيه طرف ويخسر الآخر.
قاعدة جديدة للعلاقة
وأكد شي كذلك ضرورة أن يحافظ البلدان على خط عدم الدخول في صراع أو مواجهة، داعيًا الجيشين الصيني والأميركي إلى مواصلة الحوار المنتظم وتحسين آليات التواصل والوقاية من الأزمات، وقال إن «فخ ثوسيديدس» يمكن تجاوزه.
وتزامنت هذه التصريحات مع تأكيد صيني على أهمية بناء علاقة تقوم على الاستقرار الاستراتيجي، إذ اتفق شي وترامب لاحقًا على بناء علاقة بناءة من هذا النوع على أساس الاحترام والإنصاف والمنفعة المتبادلة.
وقال تسوي شو جون، الأستاذ في كلية الدراسات الدولية بجامعة رينمين الصينية، في تصريحات باللغة الصينية نقلتها شبكة «سي إن بي سي»، إن وضع قاعدة تقوم على المنافسة المحتدمة دون صراع عسكري يمثل نتيجة سياسية مهمة للقمة، معتبرًا أنها تضيف قدرًا من اليقين إلى العلاقة الثنائية المتقلبة.
ملفات خلافية مستمرة
وركزت تصريحات ترامب لدى استقبال شي في البيت الأبيض على التعاون بصورة عامة، بينما ظل عدد من الملفات الخلافية حاضرًا في خلفية العلاقات بين البلدين.
وفي مقدمة هذه الملفات قضية تايوان، إذ دعا شي الولايات المتحدة إلى معارضة استقلال تايوان والتعامل مع القضية بحذر، وفق البيان الصادر عن الجانب الصيني بشأن المحادثات بين الرئيسين.
كما لا تزال المنافسة بين واشنطن وبكين قائمة في مجالات التكنولوجيا والتجارة والقدرات العسكرية والنفوذ الجيوسياسي، رغم المساعي الرامية إلى وضع آليات للتواصل وإدارة الخلافات.
منافسة بلا مواجهة؟
ويضع استحضار شي المتكرر لمفهوم «فخ ثوسيديدس» مستقبل العلاقات الأميركية الصينية أمام معادلة تقوم على استمرار التنافس من جهة، ومحاولة منع تحوله إلى صراع عسكري من جهة أخرى.
ولا يتعلق الأمر بإنهاء المنافسة بين البلدين، بقدر ما يرتبط بإمكانية وضع ضوابط وآليات كافية للحيلولة دون انتقالها إلى مواجهة فعلية، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات حول عدد من الملفات الاستراتيجية.
وبذلك، تعكس رؤية بكين استمرار التنافس على النفوذ والريادة العالمية، مع السعي إلى ألا تسلك هذه المنافسة المسار التاريخي الذي يربط صعود أثينا بمخاوف إسبرطة وانتهاء الأمر بحرب بين القوتين.