خبراء: استقلالية وكالة التصنيف الأفريقية تحدد قدرتها على جذب المستثمرين
تفتح وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية الجديدة الباب أمام اقتصادات القارة للحصول على تقييمات ائتمانية تنطلق من واقعها الاقتصادي والمالي، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها في أسواق المال الدولية وتوسيع فرص جذب الاستثمارات والتمويل.
لكن نجاح الوكالة في تحقيق هذه الأهداف لن يتوقف على قدرتها على تقديم تقييمات مختلفة عن الوكالات الدولية الكبرى فحسب، بل سيمتد إلى مدى استقلاليتها وشفافية منهجياتها وقدرتها على كسب ثقة المستثمرين.
يرى خبراء أن الوكالة قد توفر قراءة إضافية للمخاطر السيادية ومخاطر البنوك والشركات الأفريقية، وتحد من فجوة المعلومات بين الاقتصادات المحلية والممولين الدوليين، بما يدعم فرص التمويل داخل القارة وخارجها.
غير أن وجود وكالة جديدة لا يعني بالضرورة خفض تكلفة الاقتراض أو تحسين التصنيف الائتماني للدول، إذ يظل ذلك مرتبطًا بمصداقية تقييماتها ومدى اعتماد الأسواق عليها، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية والمالية لكل دولة.
بالنسبة لمصر، تبرز أهمية الوكالة في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعزيز جدارتها الائتمانية، وخفض أعباء الدين، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وتحسين الإفصاح الاقتصادي والمالي.
ومن ثم، فإن قياس جدوى المبادرة لن يقتصر على التصنيفات التي تصدرها، بل سيمتد إلى انعكاسها الفعلي على عوائد السندات وتكلفة التمويل وقدرة الشركات والبنوك على جذب الاستثمارات.
محافظ المركزي المصري: خطوة لمساعدة اقتصادات القارة للوصول إلى لأسواق المال
في هذا السياق، أكد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، أن إنشاء وكالة تصنيف ائتماني أفريقية يمثل خطوة محورية لتعزيز قدرة اقتصادات القارة على الوصول إلى أسواق رأس المال والاستثمارات الدولية، من خلال تقييم أوضاعها الاقتصادية والمالية والمؤسسية مع مراعاة خصوصيتها وتحدياتها، بما يدعم النمو والتنمية المستدامة.
أعرب عبد الله عن اعتزازه بالمشاركة في الإطلاق الرسمي للوكالة، الذي يتوج سنوات من الجهود الأفريقية الرامية إلى تأسيس مؤسسة تعكس واقع اقتصادات القارة وتعزز فرص جذب التمويل والاستثمارات.
كما أشار إلى أن البنك المركزي المصري شارك منذ عام 2017 في دعم المبادرة، بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة، بهدف معالجة تحديات تؤثر في التصنيفات الائتمانية، أبرزها محدودية البيانات وجودتها، وعدم تماثل المعلومات بين الدول الأفريقية والمستثمرين ووكالات التصنيف الدولية، والحاجة إلى تطوير القدرات المؤسسية والإحصائية.
تقييم مكمل للتصنيفات الدولية
على مستوى التأثير المتوقع للوكالة في الأسواق، قال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) تمثل خطوة نحو تعزيز الحضور الأفريقي في سوق التصنيف الائتماني، الذي تهيمن عليه وكالات دولية كبرى، مشيرًا إلى أن تأثيرها الاقتصادي سيعتمد على مدى استقلاليتها ومصداقية تقييماتها وقبول الأسواق لها.
أوضح أن الوكالة تتيح لمصر فرصة الاستفادة من منظور إضافي لتقييم الجدارة الائتمانية، يأخذ في الاعتبار الخصائص الاقتصادية المحلية، ومصادر النقد الأجنبي، وبرامج الإصلاح الاقتصادي، والقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
أضاف أبو الخير أن تقييمات الوكالة قد تكمل التصنيفات الدولية، لكنها لا تعني بالضرورة حصول مصر على تصنيف أعلى، إذ يجب أن تعكس النتائج المخاطر الفعلية للاقتصاد.
خفض تكلفة الاقتراض مرهون بثقة المستثمرين
ولا يقتصر تأثير الوكالة على تقديم تقييمات ائتمانية إضافية، بل يمتد إلى مدى انعكاس هذه التقييمات على قرارات التمويل والاستثمار.
أشار أبو الخير إلى أن تأثير الوكالة على تكلفة الاقتراض الخارجي وجذب الاستثمارات يرتبط بمدى اعتماد المستثمرين والمؤسسات المالية على تصنيفاتها.
كما أكد أن خفض تكلفة التمويل لن يتحقق تلقائيًا، نظرًا لتأثرها بأسعار الفائدة العالمية ومخاطر سعر الصرف ومستويات الدين واحتياجات التمويل.
لفت الخبير المصرفي إلى أن الاستفادة المحتملة قد تمتد إلى البنوك والشركات المصرية، خاصة المؤسسات التي لا تحظى بتغطية كافية من وكالات التصنيف الدولية، بما يساعد على تقليل فجوة المعلومات أمام الممولين الأجانب وتوسيع فرص الحصول على التمويل.
الاستقلالية والشفافية أساس بناء الثقة
وفي ظل اعتماد نجاح الوكالة على مدى ثقة الأسواق في تقييماتها، أكد أبو الخير أن بناء المصداقية يمثل التحدي الأهم أمامها، ويتطلب استقلالًا فعليًا، والإفصاح عن منهجيات التقييم ومصادر البيانات، ومراجعة التصنيفات دوريًا، إلى جانب وضع ضوابط واضحة لتعارض المصالح.
شدد كذلك على أهمية توفير بيانات دقيقة ومحدثة عن المالية العامة والدين الخارجي والاحتياطيات والقطاع المصرفي، فضلًا عن قياس أثر الوكالة من خلال تكلفة إصدارات الدين، وفروق العائد على السندات، واتساع قاعدة المستثمرين، وشروط التمويل.
كما أكد أن نجاح الوكالة في دعم فرص التمويل والاستثمار في مصر سيظل مرهونًا بمصداقية تصنيفاتها وقبول الأسواق لها، بالتوازي مع تحسين الشفافية واستمرار الإصلاح الاقتصادي.
التصنيفات الدولية تعكس تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية
من جانبها، قالت سلمى طه حسين، مدير إدارة البحوث بشركة نعيم للوساطة في الأوراق المالية، إن وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية يمكن أن تسهم في تعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، من خلال توفير مصدر إضافي للمعلومات والتحليلات المتعلقة بالمخاطر السيادية ومخاطر الشركات والبنوك.
فيما يتعلق بموقف مصر لدى وكالات التصنيف الدولية، أوضحت طه حسين أن تطورات التصنيف الائتماني تعكس تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، دون أن تلغي التحديات المالية القائمة.
أشارت طه إلى أن «ستاندرد آند بورز» رفعت التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر إلى B من B- في أكتوبر 2025، مع نظرة مستقبلية مستقرة، بينما أبقت «فيتش» على التصنيف عند B. وفي أكتوبر 2026، ثبتت الوكالتان تصنيف مصر عند B مع نظرة مستقبلية مستقرة، في حين ظلت «موديز» أكثر تحفظًا بتصنيف Caa1 ونظرة مستقبلية إيجابية، وفق البيانات الواردة.
أضافت مدير إدارة البحوث بشركة نعيم للوساطة أن التقييمات الإيجابية نسبيًا استندت إلى مرونة سعر الصرف، وارتفاع الاحتياطيات الدولية، واستمرار الدعم متعدد الأطراف، وتحسن بعض المؤشرات الخارجية، بينما لا يزال ارتفاع الدين العام وتكلفة خدمته واحتياجات التمويل الخارجي يمثل تحديات رئيسية.
التصنيف الأفريقي لا يضمن خفض تكلفة الاقتراض
في ضوء هذه المؤشرات، أكدت طه أن الوكالة يمكن أن تقدم تقييمات تراعي خصوصية الاقتصادات الأفريقية، بما يساعد المستثمرين على تكوين صورة أكثر شمولًا عن الاقتصاد المصري، لكنها شددت على أن التصنيف الائتماني ليس العامل الوحيد المحدد لقرارات الاستثمار أو تكلفة التمويل.
كذلك أشارت إلى أن أثر تصنيفات الوكالة سيتوقف على مصداقيتها واستقلاليتها ومدى اعتماد المؤسسات المالية الدولية عليها، موضحة أن إصدار تصنيف جديد لا يعني تلقائيًا خفض تكلفة الاقتراض الخارجي أو زيادة التدفقات الاستثمارية.
تحسين الإفصاح يدعم فرص تمويل الشركات والبنوك
وعلى صعيد القطاع الخاص، لفتت طه إلى أن الاستفادة من الوكالة قد تمتد إلى البنوك والشركات المصرية، من خلال تحسين الإفصاح عن المخاطر وتوسيع قاعدة المستثمرين المحتملين، خاصة المؤسسات التي لا تحظى بتغطية كافية من وكالات التصنيف الدولية.
واختتمت بالإشارة إلى أن الأثر المستدام للوكالة يرتبط بقدرتها على كسب ثقة الأسواق، فيما يظل تحسين الجدارة الائتمانية لمصر مرهونًا بخفض أعباء الدين، وتعزيز الموارد الخارجية، وتحسين بيئة الاستثمار.