قضية الرجعان.. رحلة استرداد أموال التأمينات الكويتية من سويسرا إلى بريطانيا
بدأت خيوط قضية أموال المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية الكويتية في التشابك قبل نحو عقدين، قبل أن تصل إلى محطة قضائية مهمة بحصول صندوق التقاعد الكويتي على حكم لصالحه أمام المحاكم البريطانية، بعدما قضت محكمة في لندن لصالحه في الدعوى المقامة ضد شركة إدارة الأصول «مان غروب» وعدد من الجهات الأخرى.
واتهمت دعوى صندوق التقاعد الكويتي عدداً من البنوك والشركات الاستثمارية بالمشاركة في غسل أموال رشى دُفعت إلى مدير المؤسسة الراحل فهد الرجعان. وقضى الحكم الصادر في 5 نوفمبر بأن مطالبات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بالحصول على تعويض قد نجحت بوجه عام.
رشى بنحو 970 مليون دولار
وتقول المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية إن الرجعان وشركاءه حصلوا، على مدار عقدين، على رشى لا تقل قيمتها عن 970 مليون دولار، جرى تقديمها في صورة عمولات لم تكن البنوك وشركات الاستثمار مضطرة إلى دفعها.
وفي إطار القضية، أقامت المؤسسة دعوى ضد شركة «مان غروب»، طالبت فيها بالحصول على نحو 156 مليون دولار، متهمة الصندوق المدرج في بورصة لندن بالمشاركة في تقديم رشى إلى الرجعان مقابل حصوله على استثمارات من المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في منتجات الشركة.
وكان الرجعان قد تولى منصب المدير العام للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية خلال الفترة من 1984 إلى 2014، قبل وفاته في لندن عام 2022، فيما استمرت الإجراءات القضائية في القضية ضد ورثته.
تحقيقات بدأت عام 2008
تعود بداية القضية إلى عام 2008، عندما تلقى مكتب النائب العام الكويتي شكوى بشأن تصرفات فهد الرجعان خلال فترة إدارته للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، لتبدأ السلطات الكويتية بعدها إجراءات جنائية ضده وضد أشخاص آخرين، على خلفية اتهامات بالاختلاس.
وفي الأول من مايو 2012، فتحت السلطات القضائية السويسرية تحقيقاً بشأن الأموال التي حصل عليها المدير العام السابق للمؤسسة بمساعدة آخرين، وتمكنت خلال التحقيقات من جمع وتحليل الحسابات المصرفية التي تكشف التحويلات المالية إلى حسابات الرجعان وأطراف أخرى.
كما اتخذت السلطات السويسرية إجراءات للتحفظ على تلك الحسابات، إلى جانب الحجز على العقارات المملوكة للمتهمين في سويسرا لمصلحة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. وفي الكويت، صدر قرار بوقف الرجعان عن العمل لحين انتهاء التحقيقات المتعلقة بالقضية.
تحركات قضائية في 2015
ومع بداية عام 2015، أبلغ مكتب المدعي العام السويسري المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بوجود تحقيقات جنائية، ودعاها إلى الانضمام إليها باعتبارها جهة متضررة.
وفي الفترة نفسها، أقر مجلس الأمة الكويتي توصية نيابية بمتابعة حسابات الرجعان والعمل على استرداد الأموال، بعدما قضى القضاء السويسري بالكشف عن حساباته المصرفية. وشهدت القضية تطوراً آخر بصدور قرار بضبط الرجعان وإحضاره على خلفية الاتهامات المتعلقة بتجاوزات في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
كما صدر قرار بمطالبة سوق الأوراق المالية باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحفظ على ملكيات الرجعان ومساهماته في الأسهم المدرجة، سواء كانت مباشرة أو من خلال محافظ وصناديق استثمارية تديرها شركات وتخضع لمتابعة السوق.
وأتاح القرار للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية المشاركة في الاطلاع على المستندات المتوافرة لدى السلطات القضائية السويسرية، فضلاً عن تقديم ادعاء مدني للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بأموالها ومصالحها، والعمل على استعادة الأصول التي جرى التحفظ عليها لمصلحتها.
وفي العام نفسه، تقدمت الكويت بطلب إلى القضاء السويسري للمشاركة في الدعوى الجنائية، بهدف المطالبة بحقوقها والحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت بأموالها ومصالحها.
وقبيل نهاية 2015، أصدرت النيابة العامة الكويتية أمراً دولياً بالقبض على الرجعان، كما قررت حبسه غيابياً على ذمة القضية المتعلقة بإلحاق أضرار جسيمة بأموال المؤسسة والاستيلاء على المال العام.
تجميد الحسابات وملاحقة الرجعان
وشهد عام 2016 تطوراً مهماً في مسار القضية، بعدما وافقت السلطات القضائية السويسرية على قبول المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية طرفاً مدعياً ومتضرراً في الاتهامات الموجهة إلى الرجعان.
وفي بريطانيا، رفضت السلطات القضائية الطعن الذي تقدم به الرجعان ضد قرار تجميد جميع حساباته المصرفية، كما وافقت على طلب النيابة العامة الكويتية بالتحفظ على تلك الأموال.
وتقدمت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بشكوى ضد الرجعان، اتهمته فيها بالاستيلاء دون وجه حق على مبلغ لا يقل عن 200 مليون دولار مودع في مصارف سويسرية بمدينة جنيف.
كما قدمت النيابة العامة مرافعات أمام محكمة الاستئناف في قضية أموال التأمينات، التي تضمنت اتهامات بالتسبب في خسائر مالية تجاوزت 300 مليون دينار، نتيجة المخاطرة في عمليات المضاربة بالخارج المنسوبة إلى الرجعان.
وأصدرت محكمة الجنايات الكويتية حكماً بسجن الرجعان لمدة 10 سنوات غيابياً، نظراً لوجوده خارج البلاد، مع تعميم الحكم على الشرطة الدولية.
وفي عام 2017، ألقت الشرطة في لندن القبض على الرجعان بناءً على طلب كويتي، إلا أن إجراءات تسليمه إلى الكويت لم تكتمل.
حجز أصول بـ847 مليون دولار
وفي عام 2019، أصدرت المحكمة العليا في إنجلترا بلندن حكماً بفرض حجز على أصول الرجعان بقيمة 847 مليون دولار، مع إلزامه بالكشف عن جميع ممتلكاته وأصوله في مختلف أنحاء العالم.
وفي مارس من العام الماضي، انطلقت جلسات المحاكمة أمام المحكمة التجارية البريطانية في الدعوى التي أقامتها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ضد فهد الرجعان وأطراف أخرى.
وقبل نهاية عام 2025، رفضت محكمة الاستئناف البريطانية الطعن الذي تقدم به أبناء الرجعان على قرار استمرار نظر القضية أمام المحاكم الإنجليزية.
حكم بريطاني لصالح التأمينات
وفي أحدث تطورات القضية، صدر الحكم القضائي في 5 نوفمبر، متضمناً أن الرجعان تورط في «عمليات فساد مثبتة على نطاق يثير الذهول»، شارك فيها عدد من الأشخاص الذين شغلوا مناصب رفيعة في القطاع العام أو قطاع الخدمات المالية.
من جانبها، قالت شركة «مان غروب» إن نتائج الحكم تتعلق بشركتين تابعتين لها واثنين من موظفيها السابقين، مؤكدة اختلافها مع ما انتهت إليه المحكمة، سواء فيما يتعلق بالمسؤولية أو بقيمة التعويضات.
وقضى القاضي بأحقية المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في استرداد نحو 155 مليون دولار، موضحاً أن القيمة النهائية للمبلغ المستحق ستخضع لتعديلات تأخذ في الاعتبار التسويات التي جرى التوصل إليها مع مدعى عليهم آخرين.