هل ينجح الديمقراطيون في كبح جماح استثمارات الذكاء الاصطناعي؟
تلوح في الأفق احتمالات حدوث تحول كبير في قطاع الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة، عقب الفوز الواسع للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، مع تعهد الحزب بوضع تنظيم هذه التكنولوجيا والتحقيق مع الشركات العاملة فيها على رأس أولوياته.
وفي المقابل، اتسم موقف الرئيس دونالد ترامب وحلفائه الجمهوريين بالتردد تجاه فرض قيود تنظيمية على القطاع، في ظل احتدام المنافسة مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، والحاجة إلى الحفاظ على الحوافز الاقتصادية وإبعاد السياسات الفيدرالية عن مسار الابتكار.
رقابة مرتقبة على القطاع
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة استدعاء كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا للمثول أمام جلسات استماع بارزة، إلى جانب التحرك نحو وضع أطر وقواعد تنظيمية جديدة للذكاء الاصطناعي.
كما تمثل نتائج الانتخابات انتكاسة لعدد من أبرز الأثرياء والشخصيات المؤثرة في القطاع، من بينهم إيلون ماسك ومارك أندريسن وديفيد ساكس، لا سيما أن ماسك أنفق وحده أكثر من 450 مليون دولار على الانتخابات.
وامتدت تداعيات هذه المخاوف إلى أسواق المال، إذ تراجع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنسبة 3% خلال يوم فرز الأصوات، مسجلاً أدنى مستوى له في 6 أشهر.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة الديمقراطيين على تنفيذ تعهداتهم المتعلقة بتنظيم الذكاء الاصطناعي، ومدى استجابة شركات التكنولوجيا للتوجهات والسياسات الجديدة التي قد يطرحها الحزب.
تحركات ديمقراطية سريعة
وبعد فترة وجيزة من إعلان فوز الديمقراطيين بأغلبية مقاعد مجلس النواب، دعا النائب الديمقراطي عن ولاية تكساس غريغ كاسار حزبه إلى جعل حماية وظائف الأميركيين وحرياتهم وحياتهم من نفوذ مليارديرات الذكاء الاصطناعي أولوية أساسية.
وطالب كاسار باستدعاء الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم، وفتح تحقيقات بشأن الممارسات التي قد تعرض وظائف الأميركيين وحرياتهم وحياتهم للخطر.
ووصف نتائج الانتخابات بأنها بداية لهزة أولى قد تسبق زلزالاً أكبر في قطاع الذكاء الاصطناعي، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الأميركي المتعلق بهذه التكنولوجيا.
تحديات التنظيم والاستثمار
في المقابل، يرى خبير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بجامعة سان خوسيه الحكومية في أمريكا، أحمد بانافع، أن المخاوف من توقف استثمارات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة عقب فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية مبالغ فيها إلى حد كبير، لكنه لا يستبعد مواجهة القطاع تحديات جديدة.
وأوضح بانافع، في تصريحات لـCNBC عربية، أن الديمقراطيين يمتلكون القدرة على زيادة الضغوط التنظيمية على شركات التكنولوجيا، خصوصاً فيما يتعلق باستهلاك مراكز البيانات للكهرباء والمياه، وتأثيرها على المجتمعات المحلية والوظائف والبيئة والخصوصية، مشيراً إلى وجود فارق كبير بين فرض قيود على المشروعات الجديدة وإلغاء استثمارات تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، دخل جزء كبير منها بالفعل مرحلة التنفيذ.
وفي خطاب فوزه، أعرب السيناتور الديمقراطي عن ولاية جورجيا جون أوسوف، الذي يُعد أحد المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2028، عن استيائه مما وصفه ببناء عمالقة وادي السيليكون ملاجئ محصنة لأنفسهم، في الوقت الذي يحذرون فيه من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يطورونها قد تهدد بفناء البشرية.
كما سخر السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس إد ماركي من الشركات التكنولوجية، قائلاً في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن مسؤوليها التنفيذيين سيحتاجون إلى زراعة غابات جديدة لتوفير الورق اللازم لطباعة جميع مذكرات الاستدعاء التي ستصدر بحقهم.
خريطة التنظيم الديمقراطية
لم يتوصل الديمقراطيون حتى الآن إلى موقف موحد بشأن المسار الأمثل لتنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك تحركات تشريعية متوقعة خلال الفترة المقبلة.
ومن المنتظر أن تدفع النائبة لوري تراهن، عن ولاية ماساتشوستس، باتجاه مشروع قانون شامل سبق أن قدمته خلال العام الحالي بالاشتراك مع النائب الجمهوري جاي أوبرنولت، عن ولاية كاليفورنيا.
ويستهدف المشروع إلغاء سريان بعض القوانين المحلية التي أقرتها الولايات بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع آليات للتعامل مع المخاطر الكارثية المحتملة المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وفي السياق نفسه، تعمل اللجنة الديمقراطية المعنية بالذكاء الاصطناعي في مجلس النواب على إعداد خارطة طريق تحدد السياسات التي يعتزم الحزب تبنيها في هذا المجال.
قواعد جديدة وسلطات رقابية
ويعمل النائبان الديمقراطيان سارة جاكوبس، عن ولاية كاليفورنيا، ودون باير، عن ولاية فرجينيا، على صياغة إطار تنظيمي للذكاء الاصطناعي، يتضمن إلزام الشركات بتطبيق معايير سلامة أساسية، ومنح الحكومات صلاحية تعليق نماذج الذكاء الاصطناعي التي لا تجتاز متطلبات الاختبارات.
كما يُتوقع أن تمتد المناقشات التنظيمية إلى ملف الصادرات، بما يضيف بعداً جديداً إلى التحديات التي تواجه شركات التكنولوجيا.
وسيكون على القيادات الديمقراطية كذلك تحديد كيفية توزيع الصلاحيات الرقابية والتشريعية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في ظل خلافات ظهرت بالفعل داخل التكتل الديمقراطي بمجلس النواب بشأن مقترح تشكيل لجنة تحقيق جديدة متخصصة في هذا القطاع.
ومن شأن انتقال السيطرة على مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين أن يفتح المجال أمام تحقيقات تستهدف شركات وشخصيات بارزة سبق أن خضعت للتدقيق، ومن بينها شركة إنفيديا المتخصصة في صناعة الرقائق الإلكترونية ورئيسها التنفيذي جنسن هوانغ.
كما قد يؤدي انتقال السيطرة على الكونغرس إلى زيادة احتمالات استدعاء مسؤولين بارزين في إدارة ترامب، من بينهم جيفري كيسلر، وكيل وزارة التجارة لشؤون الصناعة والأمن، وإلزامهم بالمثول أمام اللجان البرلمانية للإدلاء بشهاداتهم.
مليارديرات التكنولوجيا في المواجهة
وبدا أن إيلون ماسك بدأ يتراجع عن دعمه العلني للجمهوريين، بعدما حذف منشوراً نشره يوم الثلاثاء وحث فيه الناخبين على التصويت للحزب الجمهوري، قائلاً: «صوّتوا للون الأحمر اليوم».
وبحلول صباح الأربعاء، نشر ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي تسلا وسبيس إكس، تعليقاً أشار فيه إلى إمكانية نقل مراكز البيانات إلى الفضاء، قائلاً إن هذا الخيار يبدو مناسباً للغاية في الوقت الحالي.
وتكبدت شركتا تسلا وسبيس إكس خسائر تجاوزت قيمتها السوقية المجمعة 420 مليار دولار خلال يومين فقط من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، فيما تراجعت ثروة ماسك بنحو 90 مليار دولار خلال أسبوع واحد، لتقل عن 800 مليار دولار، رغم استمرار احتفاظه بلقب أغنى شخص في العالم.
كما قد يجد مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، نفسه أمام مشهد مشابه لما واجهه في أواخر العقد الماضي، عندما تعرض لتحقيقات واستجوابات متكررة.
لكن زوكربيرغ اتجه سياسياً نحو اليمين بصورة واضحة خلال الولاية الثانية لترامب، وظهر في منتجع مارالاغو مستعرضاً نظارات ميتا المزودة بكاميرات أمام الرئيس الأمريكي.
حسابات السياسة والاقتصاد
وفي قراءة لتأثير التحولات السياسية على مستقبل القطاع، قال عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في شركة G&K، لـCNBC عربية، إن التوجه الأيديولوجي للديمقراطيين واختلافه عن الجمهوريين لن يكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن حسابات الربح والخسارة، والقدرة على تحمل الانتظار الاستراتيجي لتحقيق النتائج، والتنافسية مع الاستثمارات الأخرى، ستظل العوامل الأكثر تأثيراً، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي بالنسبة للقوى الكبرى.
وأضاف أن النظام السياسي الأمريكي يقوم في المقام الأول على المصالح الاقتصادية.
من جانبه، علق سام ألتمان، رئيس شركة أوبن إيه آي، على نتائج الانتخابات قائلاً إن الأفراد يجب ألا يتخلوا عن السيطرة على المستقبل لصالح الذكاء الاصطناعي الفائق، معتبراً أن هذا المطلب ينبغي أن يتحول في نهاية المطاف إلى قيد يحكم تطور هذه التكنولوجيا.
بدوره، دعا ريد هوفمان، الشريك المؤسس لمنصة لينكد إن وأحد كبار المانحين السياسيين، إلى إخراج الأموال من الحياة السياسية عقب انتهاء الانتخابات، متهماً ماسك بإنفاق مبالغ ضخمة للإبقاء على ما وصفهم بمهرجين سلطويين في السلطة، في الوقت الذي دافع فيه عن تبرعاته الخاصة للمرشحين الديمقراطيين.
هل تتوقف طفرة الذكاء الاصطناعي؟
شهد العام الماضي سباقاً محتدماً بين كبرى شركات الذكاء الاصطناعي للاستحواذ على منشآت ضخمة أو تشييد مراكز جديدة، تتطلب استهلاكاً هائلاً للموارد وتضم أعداداً كبيرة من رقائق أشباه الموصلات، بهدف تلبية الطلب المتزايد على القدرات الحاسوبية.
ورغم تصاعد التحركات الديمقراطية، لا تزال قدرة الحزب على وقف التوسع الكبير في استثمارات الذكاء الاصطناعي غير واضحة. وفي هذا السياق، وصف النائب الديمقراطي المعتدل عن ولاية كاليفورنيا سكوت بيترز، عضو لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب، النقاشات الدائرة بشأن الذكاء الاصطناعي حتى الآن بأنها تتسم بطابع شعبوي إلى حد كبير وتفتقر إلى الحقائق.
في المقابل، أكد بانافع أن شركات مثل مايكروسوفت وجوجل وأمازون وميتا لا تضخ هذه الاستثمارات استجابة لقرارات سياسية مؤقتة، وإنما تنفذ خططاً استراتيجية طويلة الأجل تستند إلى تنامي الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، فضلاً عن المنافسة العالمية، خصوصاً مع الصين.
وأضاف أن إلغاء المشروعات القائمة قد يترتب عليه ارتفاع كبير في التكاليف على الشركات والمستثمرين والاقتصادات المحلية، نظراً إلى ارتباطها بخطط استثمارية طويلة الأمد.
تداعيات محتملة على الوظائف والاستثمارات
وأشار بانافع إلى أن تجميد المشروعات أو إلغاءها قد يتسبب في فقدان آلاف الوظائف المرتبطة بأعمال البناء والهندسة والطاقة وسلاسل التوريد، فضلاً عن الإضرار بالشركات المحلية التي تعتمد على هذه الاستثمارات.
وشدد على ضرورة التمييز بين الوظائف المؤقتة التي توفرها المشروعات خلال مرحلة الإنشاء، والوظائف الدائمة التي تظهر بعد بدء تشغيل مراكز البيانات، موضحاً أن الفئة الأخيرة تكون عادة أقل عدداً.
واستبعد بانافع توقف الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي، لكنه رجح تباطؤ تنفيذ بعض المشروعات الجديدة، وزيادة تكاليف الامتثال للقواعد التنظيمية، مع احتمال انتقال جزء من الاستثمارات إلى ولايات توفر بيئة أكثر ملاءمة من حيث توافر الطاقة وسهولة الحصول على التراخيص.