السبت، 07 نوفمبر 2026 10:39 م
رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
بدور ابراهيم
عاجل
حول العالم

اختراق الثلاجات والبلاغات الكاذبة.. كيف تتغير أساليب الحروب في العالم؟

السبت، 07 نوفمبر 2026 10:30 م
اختراق الثلاجات والبلاغات الكاذبة.. كيف تتغير أساليب الحروب في العالم؟
اختراق الثلاجات والبلاغات الكاذبة.. كيف تتغير أساليب الحروب في العالم؟

لم يكن الجنود الذين عاشوا داخل الخنادق الباردة خلال الحرب العالمية الأولى، وسط الجوع والمرض والقصف، يتصورون أن الأجيال التي ستأتي بعد أكثر من قرن ستواجه نوعًا مختلفًا من التهديدات، لا يعتمد بالضرورة على المدافع والدبابات والطائرات، بل يستخدم الحواسيب والهواتف الذكية والهجمات الإلكترونية.

فمن اختراق أنظمة تبريد الأغذية في المتاجر الكبرى إلى إرسال بلاغات كاذبة عن وجود قنابل على متن الطائرات، برزت خلال الفترة الأخيرة حوادث أربكت عددًا من الدول الأوروبية وأثارت تساؤلات بشأن طبيعتها وأهدافها، ومدى ارتباطها بما يُعرف اليوم بـ«الحرب الهجينة».

ما الحرب الهجينة؟

ارتبطت الحروب منذ بدايات التاريخ البشري بالصراع على الموارد والأراضي والمياه والغذاء، وهي دوافع لا تزال قائمة حتى اليوم. وفي المراحل الأولى، اعتمد الإنسان على الأدوات المتاحة في محيطه، مثل الحجارة والعصي، قبل أن يحولها إلى وسائل للقتال وإلحاق الأذى بالآخرين.

ومع ظهور الزراعة واتجاه الإنسان إلى الاستقرار، نشأت القرى وظهرت الحاجة إلى وسائل دفاع بدائية، ركزت على حماية التجمعات السكانية وتقييد حركة الخصوم، بدلًا من الاعتماد على الهجوم في الأراضي المفتوحة، وأصبحت القوة الدفاعية تتمركز في مواقع محددة.

وبالتزامن مع نشوء الحضارات في بلاد الرافدين ومصر والصين والهند، انتقلت الحروب من نزاعات محدودة بين مجموعات صغيرة إلى حملات عسكرية تقودها الدول والإمبراطوريات، وبدأت الجيوش تكتسب قدرًا أكبر من التنظيم، مع ظهور الأسلحة البرونزية والحديدية والعربات الحربية وأدوات الحصار والأساطيل البحرية.

ومع التقدم الحضاري والتكنولوجي، شهدت وسائل القتال والأسلحة تطورًا متواصلًا، وازدادت قدرتها التدميرية، لتتحول الحروب إلى مصدر للمآسي الإنسانية التي تشمل القتل والتعذيب والتهجير والنزوح والفقر.

وفي هذا السياق، ظهرت الحرب الهجينة بوصفها أحد أنماط الصراع الحديثة، إذ لا تقتصر على تحريك الجيوش أو تنفيذ الاجتياحات والعمليات البرية والجوية والبحرية، وإنما تجمع بين العمليات العسكرية المحدودة، والحروب بالوكالة، والضغط الإعلامي والاقتصادي، والهجمات السيبرانية.

وتستهدف هذه الاستراتيجية إضعاف الدول من الداخل، سواء عبر استهداف بنيتها التحتية أو أنظمتها المالية، أو التأثير في الروح المعنوية لسكانها، بما قد يقود إلى إخضاعها أو إنهاكها وتهيئة الظروف أمام تدخل عسكري تقليدي.

الثلاجات والطائرات في مرمى الهجمات

عند الحديث عن الحروب، تتجه الأذهان عادة إلى الدبابات والطائرات والجنود والقصف، لكن الحرب الهجينة أعادت رسم ملامح المواجهة، إذ قد يؤدي اختراق إلكتروني واحد لأنظمة التبريد في المتاجر إلى إفساد كميات كبيرة من الأغذية، بما يهدد بتفاقم أزمة نقص الغذاء، خصوصًا إذا تزامن مع حصار أو تعطيل طرق الإمداد.

وتُعد روسيا من أبرز الدول التي ارتبط اسمها باتهامات ومواقف تتعلق باستخدام أساليب الحرب الهجينة في العصر الحديث، سواء في المجال السيبراني أو المعلوماتي، إذ ارتبطت بها مجموعة من أبرز الوقائع التي شهدتها إستونيا عام 2007، وجورجيا عام 2008، وأوكرانيا منذ عام 2014.

ففي إستونيا، ومع تصاعد الخلاف السياسي بين البلدين بسبب نقل نصب الجندي السوفيتي، تعرضت مواقع حكومية ومصارف ووسائل إعلام لهجمات إلكترونية واسعة النطاق، من دون وجود إثبات قاطع على المسؤولية المباشرة للدولة الروسية عن تلك الهجمات.

أما في جورجيا عام 2008، فقد تزامنت العمليات العسكرية الروسية مع هجمات إلكترونية استهدفت مواقع حكومية وإعلامية وعطلت عملها، لتصبح تلك المواجهة من أبرز النماذج التي أظهرت تداخل العمليات الرقمية مع الحروب التقليدية.

وفي أوكرانيا، اتخذت الحرب الهجينة منحى أكثر وضوحًا عام 2014، عندما سيطرت قوات روسية لم تكن معلنة الهوية على مواقع استراتيجية في شبه جزيرة القرم، بالتوازي مع تحركات سياسية وإعلامية انتهت بضم روسيا المنطقة، في خطوة رفضتها أوكرانيا ومعظم دول المجتمع الدولي.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، اتسع نطاق استخدام هذه الأساليب، لتشمل الهجمات السيبرانية وحملات الدعاية الإعلامية واستهداف منشآت الطاقة والاتصالات، إلى جانب العمليات العسكرية التقليدية.

وخلال أكتوبر ونوفمبر، شهدت مدن أوروبية حوادث استهدفت أنظمة التبريد في ثلاجات الأغذية داخل عدد من المتاجر الكبرى، إذ ارتفعت درجات الحرارة في بعضها إلى 50 درجة، ما أدى إلى تلف المنتجات الغذائية، فيما أعلنت مجموعات قرصنة موالية لروسيا مسؤوليتها عن الهجمات، وفقًا لما أوردته وكالة الأناضول.

وفي نوفمبر الجاري، تسببت بلاغات كاذبة بشأن وجود قنابل على متن عدد من الطائرات في إرباك حركة النقل الجوي بأوروبا، بعدما وردت بلاغات متزامنة عبر رسائل بريد إلكتروني مجهولة المصدر، وهو ما أعاد تسليط الضوء على أساليب الحرب الهجينة، خاصة أن الدول الأوروبية المتضررة من تلك البلاغات تدعم أوكرانيا في حربها مع موسكو.

لماذا تفضل الدول الحرب الهجينة؟

تبدو الحرب الهجينة أقل تكلفة من المواجهات العسكرية التقليدية، لكن دوافع اللجوء إليها لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي، إذ تمنح الدول فرصة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية، مع تقليل النفقات والمخاطر المرتبطة بالحروب المباشرة.

ولم تعد السيطرة على الخصوم أو إضعافهم تتطلب بالضرورة إرسال قوات المشاة أو وحدات العمليات الخاصة، إذ بات من الممكن تنفيذ جانب كبير من هذه المهام عبر متخصصين في المجال الإلكتروني يعملون من مكاتبهم، دون التعرض للمخاطر الميدانية التي تواجه القوات العسكرية.

ويبرز كذلك العامل السياسي والقانوني، إذ إن إعلان الحرب رسميًا قد يضع الدولة أمام تحديات داخلية وخارجية، كما أن اتخاذ قرار بخوض حرب في بعض الدول يتطلب موافقة المؤسسات التشريعية، مثل مجلس الشعب، ولا يقتصر على قرار فردي.

وعلى الصعيد الدولي، قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى الدخول في مشاورات مع المجتمعين الدولي والأممي لتوضيح أسباب الحرب والحصول على الدعم اللازم، فضلًا عن مواجهة إجراءات ومباحثات قد تستغرق وقتًا طويلًا.

في المقابل، تتيح الهجمات السيبرانية والحملات الإعلامية والعقوبات الاقتصادية والاستعانة بالجماعات المسلحة إرباك مؤسسات الدولة المستهدفة واستنزاف مواردها والتأثير في قراراتها السياسية، من دون إعلان حرب رسمي أو تحمل مسؤولية الهجمات بالضرورة، وهو ما يجعل تحديد طبيعة التهديد واختيار الرد المناسب أكثر صعوبة.

ومن زاوية التكلفة والقدرة التدميرية، يمكن تبسيط المفاضلة أمام الدولة المعتدية من خلال مقارنة خيارين؛ الأول الاستعانة بأحد المخترقين المحترفين لتعطيل أنظمة صوامع الحبوب أو محطات تنقية المياه أو منشآت الكهرباء.

أما الخيار الثاني، فيتمثل في شراء الذخائر وتجهيز طائرة مقاتلة لتنفيذ ضربات جوية، مع احتمالات إسقاط الطائرة وخسارة قيمتها ومقتل الطيار أو وقوعه في الأسر، إلى جانب التعرض لتحقيقات وضغوط من المجتمع الدولي بشأن العملية العسكرية.

ومن هنا، يصبح الخيار الأول أقل تكلفة ومخاطرة في كثير من الحالات، وهو ما يفسر اتجاه الدول التي تعتمد أساليب الحرب الهجينة إلى توظيف الهجمات الإلكترونية وغيرها من الأدوات غير التقليدية لتحقيق أهدافها.

هل يمكن ردع الحرب الهجينة؟

لا توجد إجابة واحدة عن مدى قدرة الدول على مواجهة هذا النوع من الحروب، إذ يرتبط الأمر بمستوى تفوقها في المجال السيبراني، ومدى استعدادها لاكتشاف الهجمات والتعامل معها، فضلًا عن قدرتها على حماية أنظمتها وسد الثغرات الأمنية.

فالدولة التي تمتلك قدرات تقنية متقدمة، وتدرك آليات الاختراق الإلكتروني، وتعمل باستمرار على اكتشاف الثغرات وإغلاقها، تكون أكثر قدرة على الحد من تعرضها لهذه التهديدات.

لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني الوصول إلى حماية كاملة، إذ لا يوجد نظام إلكتروني محصن بصورة مطلقة أو خالٍ تمامًا من الثغرات، وهو ما يجعل الاستعداد المستمر وتطوير أدوات الحماية عنصرين أساسيين في مواجهة الحرب الهجينة.