العجز والتضخم يدفعان عائد السندات الأمريكية لأعلى مستوى في 19 عامًا
ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ نحو عقدين، في ظل تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن اتساع العجز الحكومي وارتفاع التضخم وزيادة إصدارات الديون طويلة الأجل.
وصعد العائد بنحو 6 نقاط أساس إلى 5.31%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.72%.
وتأتي هذه التحركات في وقت يقترب فيه العجز السنوي للحكومة الأميركية من تريليوني دولار، بالتزامن مع زيادة اقتراض الشركات لتمويل الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ضغوط متزايدة على السندات
وفي أحدث اختبار للطلب، باعت وزارة الخزانة الأميركية سندات لأجل 30 عاماً بقيمة 25 مليار دولار، بعائد بلغ 5.216%، وهو أعلى عائد في مزاد من هذا النوع منذ عام 2001.
وحذرت شركة «سيتاديل سيكيوريتيز» من أن إحجام مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن تشديد السياسة النقدية بعد فترة طويلة من تجاوز التضخم المستوى المستهدف يبقي عوائد السندات طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة، بما قد يشكل مخاطر أوسع على الأسواق.
وأشارت الشركة إلى أن عوائد الديون طويلة الأجل لا تزال قرب أعلى مستوياتها في نحو عقدين، رغم أن سعر الفائدة الأساسي يقل حالياً بنحو 175 نقطة أساس عن ذروته السابقة.
تراجع رهانات خفض الفائدة
وتجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً مستوى 5.28%، مسجلاً أعلى مستوى في نحو 19 عاماً، بالتزامن مع تراجع توقعات المستثمرين بشأن خفض أسعار الفائدة في سبتمبر، رغم ظهور مؤشرات حديثة على تباطؤ التضخم والطلب الاستهلاكي.
وترى «سيتاديل سيكيوريتيز» أن تحسن بيانات التضخم وضعف سوق العمل لا يوفران مؤشرات كافية على قرب خفض الفائدة، مشيرة إلى أن أكثر من 55% من أسعار السلع الأساسية لا تزال تتحرك في اتجاه صعودي.
وقال رئيس قسم تداولات الشرق الأوسط لدى «ساكسو بنك»، ياسر الرواشدة، إن صعود عوائد السندات طويلة الأجل، خصوصاً الأميركية لأجل 30 عاماً، يرجع إلى عدة عوامل، من بينها المنافسة المتزايدة بين إصدارات ديون شركات الذكاء الاصطناعي عالية الجودة وإصدارات السندات الحكومية.
وأضاف الرواشدة في مقابلة مع «العربية Business» أن المخاوف من عودة التضخم إلى الارتفاع، مع استمرار معدله في الولايات المتحدة فوق 2% منذ نحو خمس سنوات، إلى جانب التحديات السياسية والانقسامات الداخلية، تزيد الضغوط على عوائد السندات طويلة الأجل.
وأشار إلى أن تضاعف مستويات الدين الأميركي منذ عام 2018 يمثل عاملاً إضافياً قد يدفع العوائد إلى مواصلة الارتفاع، متوقعاً استمرار الضغوط على السندات خلال المدى المتوسط، رغم انخفاض مستويات السيولة في فترة الصيف.
فرص استثمارية محتملة
ويرى الرواشدة أن مستويات العوائد الحالية على السندات طويلة الأجل قد توفر فرصاً للشراء، لكنه يفضل الانتظار حتى نهاية فصل الصيف، مع عودة السيولة إلى الأسواق، للحصول على رؤية أكثر وضوحاً بشأن مسار العوائد.
وبشأن انعكاسات ارتفاع العوائد على الدولار، أوضح أن صعود عوائد السندات في معظم الاقتصادات المتقدمة يقلص تأثير فروق أسعار الفائدة على تحركات العملات، خاصة عندما يكون ارتفاع العوائد مدفوعاً بمخاوف هيكلية مرتبطة بالتضخم وليس بتحسن النمو الاقتصادي.
وأضاف أن الجنيه الإسترليني قد يكون من بين العملات الأكثر تأثراً باستمرار ارتفاع العوائد، خصوصاً مع ترقب بيانات التضخم البريطانية، بينما قد تستفيد عملات مرتبطة ببنوك مركزية تتمتع بمصداقية أكبر، مثل الكرونة النرويجية والدولار الأسترالي، من الظروف الحالية.
الين يواجه فروق العوائد
وبالنسبة للدولار الأميركي، قال الرواشدة إن التطورات الأخيرة جاءت سلبية نسبياً، بما قد يسمح باستمرار صعود اليورو أمامه، وإن كان يتوقع أن تظل هذه الحركة مؤقتة وألا تحقق مكاسب قوية.
وأوضح أن ضعف بيانات النمو الاقتصادي في اليابان لا يمنع الأسواق من تسعير احتمال رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في سبتمبر، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات اليابانية إلى مستويات مرتفعة.
وأشار إلى أن فروق العوائد بين السندات الأميركية واليابانية تظل العامل الأبرز في تحركات الين، بالتزامن مع استمرار الإقبال النسبي على المخاطرة في الأسواق.
بنك اليابان
وحول احتمال تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة، قال إن التدخلات السابقة دفعت المضاربين إلى الخروج من السوق مؤقتاً، لكنها لم تمنع عودتهم لاحقاً، ما يحد من فاعلية التدخلات المتكررة.
ويرى الرواشدة أن رفع الفائدة المتوقع في سبتمبر قد لا يكون كافياً بمفرده لدعم الين، مشدداً على أهمية تقديم بنك اليابان إشارات واضحة بشأن مواصلة دورة رفع أسعار الفائدة، في وقت قد تؤدي فيه أسعار الطاقة المرتفعة والعوائد العالمية إلى زيادة صعوبة مهمته.