الفائدة على طاولة الفيدرالي.. مسؤولان سابقان يكشفان حسابات كيفن وارش
تزايدت رهانات المستثمرين على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، بعد أن أظهرت بيانات التضخم الأمريكية لشهر أغسطس استمرار ضغوط الأسعار.
وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4% في أغسطس على أساس شهري، مقابل 0.1% في يوليو، بينما استقر معدل التضخم السنوي عند 3.4%. وفي الوقت نفسه، ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 0.3% خلال الشهر.
رهانات رفع الفائدة
ورغم أن البيانات لم تقدم مفاجأة صعودية كبيرة على مستوى التضخم العام، فإنها لم تمنح مسؤولي البنك المركزي الدليل الذي يحتاجون إليه على استمرار تراجع الضغوط السعرية بالسرعة الكافية. ودفع ذلك الأسواق إلى زيادة احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، في وقت أصبح فيه القرار أكثر انقسامًا داخل الاحتياطي الفيدرالي.
ووفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأمريكية، زاد عدد الوظائف غير الزراعية بنحو 162 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يوليو بالرفع لتشير إلى زيادة قدرها 21 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاد استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع عدد الوظائف بنحو 56 ألف وظيفة، بعد انخفاض بلغ 23 ألف وظيفة وفق البيانات المعلنة سابقًا لشهر يوليو.
وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» حاليًا إلى احتمال يبلغ نحو 86% لرفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماع الأسبوع المقبل.
إشارات وارش
وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش قد شدد في تصريحات سابقة على أن البنك المركزي لا يزال أمامه عمل يتعين إنجازه في مواجهة التضخم، مؤكدًا التزامه بإعادة استقرار الأسعار إلى هدف البنك البالغ 2%. كما أشار إلى استعداد الاحتياطي الفيدرالي للتحرك إذا لم يتحقق تقدم كافٍ في خفض التضخم، وهو الموقف الذي عبر عنه أيضًا خلال ندوة جاكسون هول.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة مع بقاء التضخم أعلى من هدف البنك المركزي بفارق واضح، في وقت تزيد فيه ارتفاعات أسعار الطاقة من صعوبة السيطرة على الأسعار، وسط تداعيات تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
في المقابل، لا يبدو أن جميع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي مستعدون للتحرك بالسرعة نفسها. فقد أشار محافظ البنك كريستوفر والر إلى أنه قد يميل إلى إبقاء أسعار الفائدة عند نطاقها الحالي البالغ 3.50% إلى 3.75% إذا أظهرت بيانات التضخم تحسنًا، بما يعكس استمرار الانقسام بشأن توقيت الخطوة المقبلة.
تشكيك في التزام وارش
ويقول النائب السابق لرئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، أريس أريستيدس بروتوباباداكس، وهو أستاذ الاقتصاد والتمويل في كلية إدارة الأعمال بجامعة «يو إس سي مارشال»، لـ«سي إن بي سي عربية»: «من واقع خبرتي، يبدي مجلس الاحتياطي الفيدرالي عدم رغبة شديدة في تغيير أسعار الفائدة في أوقات قريبة جدًا من الانتخابات، خوفًا من أن تُفسر هذه الخطوة على أنها تحرك سياسي يهدف لخدمة طرف على حساب الآخر».
ويضيف أنه إذا استمر هذا النهج، «فلن نشهد أي رفع لأسعار الفائدة حتى اجتماع شهر ديسمبر، هذا إن حدث أصلًا».
ومن ناحية أخرى، يقول المسؤول السابق بالفيدرالي: «إذا قويت مبررات رفع أسعار الفائدة واستمر الفيدرالي في تباطؤه، فستبدأ الأسواق في التشكيك في التزام وارش بمكافحة التضخم، مما سيؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم وعوائد السندات طويلة الأجل».
خيار الرفع
ويعتقد بروتوباباداكس أن «القرار السياساتي المجرد هو رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ثم التريث لفترة. ففي ظل معدلات التضخم الحالية، يعد سعر الفائدة الحقيقي للفيدرالي بالكاد إيجابيًا، مما يجعل موقف السياسة النقدية توسعيًا بدرجة معتدلة إلى محايد».
وبناءً على هذه المعطيات، تحول النقاش سريعًا في الأسواق من مسألة ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة إلى سؤال أكثر أهمية، وهو: «كم عدد مرات رفع أسعار الفائدة التي ستتطلبها هذه الدورة في نهاية المطاف؟».
وبحسب مذكرة حديثة لكبيرة الاستراتيجيين العالميين في شركة «برينسيبال» لإدارة الأصول، سيما شاه، فإنها لا تتوقع أن يكتفي الاحتياطي الفيدرالي برفع واحد فقط.
اختبار سياسي ونقدي
ويضع الاجتماع المقبل وارش أمام اختبار سياسي ونقدي حساس، إذ إن الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير رغم استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف قد يثير تساؤلات بشأن مدى استعداد البنك المركزي لترجمة لهجته المتشددة تجاه الأسعار إلى قرارات فعلية.
في المقابل، فإن رفع الفائدة في سبتمبر قد يعزز مصداقية وارش في مكافحة التضخم، لكنه قد يفاقم المخاوف بشأن تأثير السياسة النقدية الأكثر تشددًا على النمو والطلب، خصوصًا إذا ظهرت مؤشرات على ضعف سوق العمل، فضلًا عن مواجهة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جدد مطالبه بخفض الفائدة.
ويقول أستاذ الاقتصاد في كلية ويليامز بالولايات المتحدة، كينيث كوتنر، الذي عمل سابقًا نائبًا للرئيس المساعد بقسم الأبحاث في بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، لـ«سي إن بي سي عربية»: «إنه وقت مثير للاهتمام؛ فاحتمالية رفع أسعار الفائدة تزداد بكل تأكيد. بيانات التوظيف جاءت قوية، وكان هناك ثلاثة أعضاء معارضين طالبوا برفع الفائدة في الاجتماع الأخير، كما ترك خطاب وارش في جاكسون هول انطباعًا بأنه يعتزم اتخاذ كل ما يلزم لكبح التضخم. وتظهر الأسواق وكأنها تسعر احتمالية عالية جدًا لرفع الفائدة».
احتمالات الرفع
ويضيف كوتنر: «شخصيًا، لا أعتقد بأن الأمر حتمي بنسبة 100%، لكن الاحتمالات تتجاوز 50%. ومن الصعب التنبؤ بما سيحدث لاحقًا هذا العام، إذ سيعتمد الكثير على البيانات الواردة. ولكن إذا استمرت بيانات التوظيف والتضخم على النحو الذي رأيناه في الفترة الأخيرة، فمن المرجح جدًا أن نشهد رفعًا آخر لأسعار الفائدة في وقت لاحق من العام».
ولم يقدم وارش أي وعود محددة بشأن أسعار الفائدة، لكنه أوضح مؤخرًا أن الاحتياطي الفيدرالي سيضطر إلى رفعها إذا لم ينحسر التضخم.
ويمكن القول إنه احتفظ بهامش من المرونة لإبقاء أسعار الفائدة ثابتة إذا اختار هو وبقية أعضاء الاحتياطي الفيدرالي عدم اتخاذ أي إجراء في اجتماعهم المقرر عقده يومي 15 و16 سبتمبر. لكن، بحسب تقرير لـ«سي إن بي سي»، ومع خضوع قيادته للاحتياطي الفيدرالي لتدقيق مكثف من داخل المؤسسة وخارجها، فإن عدم اتخاذه أي إجراء بعد تحذيراته المتكررة بشأن التضخم سيجعل من الصعب عليه إقناع السوق بجدّيته في المرة المقبلة.
فلسفة وارش
ويكمن التحدي الذي يواجه وارش في أن فلسفته الاقتصادية تحديدًا لا تفضل اتخاذ قرارات سريعة استنادًا إلى بيانات فردية، مثل أحدث بيانات مؤشر أسعار المستهلك. وهذا ما يضعه في تناقض مع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، مثل المحافظ كريستوفر والر ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، إذ دخل كلاهما المرحلة الأخيرة قبل الاجتماع وهما أكثر ميلًا إلى انتظار البيانات المتبقية قبل اتخاذ قرار بشأن ضرورة رفع سعر الفائدة.
وعلى النقيض، حذر وارش مرارًا وتكرارًا من الإفراط في الثقة بالتوقعات قصيرة الأجل. وقال الشهر الماضي خلال الندوة السنوية لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، التي عقدت في جاكسون هول بولاية وايومنغ، إن «دقة التوقعات لا تزال مجرد طموح» بالنسبة للبنك.
وبذلك، يجد وارش نفسه أمام موازنة دقيقة بين استمرار التضخم فوق المستهدف، وضغوط الأسواق لرفع الفائدة، والانقسام داخل الاحتياطي الفيدرالي، في وقت تترقب فيه الأسواق اجتماع سبتمبر باعتباره اختبارًا مهمًا لمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.