من «فنكوش» إلى رمز لبناء الأوطان.. كيف أصبحت العاصمة الجديدة بعد 10 سنوات؟
لم تكن العاصمة الجديدة مجرد مشروع لبناء مبانٍ وطرق، بل جاءت ضمن خطة لتوسيع الرقعة العمرانية في مصر، وتخفيف الضغط عن المدن القائمة، وبناء مدينة ذكية ومستدامة تستوعب أنشطة حكومية واقتصادية وثقافية وخدمية جديدة.
وبعد نحو 10 سنوات من انطلاق المشروع، تحولت الفكرة إلى واقع يضم أحياء سكنية ومقار حكومية ومراكز للأعمال ومنشآت ثقافية وتعليمية وطبية، في تجربة لا تزال تستهدف استكمال التنمية وجذب المزيد من السكان والاستثمارات.
بداية العاصمة الجديدة
في عام 2016، بدأ العمل على حلم إنشاء عاصمة جديدة في قلب الصحراء، لتكون نموذجًا لمدينة حديثة تعتمد على التخطيط العمراني والبنية التحتية المتطورة، وتوفر بيئة مناسبة للحياة والعمل.
ومع انطلاق المشروع، ظهرت تساؤلات وانتقادات حول جدوى إنشاء عاصمة جديدة، وتكلفة نقل الأنشطة الحكومية إلى الصحراء، ومدى قدرة المدينة على جذب السكان وتحقيق عائد اقتصادي من الاستثمارات التي ضُخت فيها.
وتنوعت التساؤلات بين: «لماذا نبني عاصمة جديدة؟» و«عاصمة جديدة في قلب الصحراء؟»، وصولًا إلى وصف المشروع بأنه «فنكوش العاصمة الجديدة»، في إشارة إلى التشكيك في إمكانية تحوله إلى مدينة متكاملة.
لكن المشروع استمر في التنفيذ، ومع تقدم الأعمال بدأت ملامح المدينة تتشكل، لتتحول من مخطط على الورق إلى واقع يضم منشآت حكومية وخدمية وثقافية، إلى جانب مشروعات سكنية وتجارية.
الرئيس السيسي: العاصمة الجديدة جزء من خطة زيادة الرقعة العمرانية
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن إنشاء العاصمة الجديدة يأتي ضمن رؤية أوسع لزيادة المساحة المأهولة بالسكان في مصر، بدلًا من استمرار التركز السكاني في نطاق محدود.
وقال الرئيس السيسي: «أنت بتتكلم بقالك عشرات أو يمكن أكتر من 200 سنة عايش على 4-5%، وعايز في خلال 10 سنين تبقى في 10-12%؟ أيوه، والعاصمة جزء منها».
وتعكس هذه الرؤية أحد الأهداف الرئيسية للمشروع، وهو التوسع في إنشاء المدن الجديدة وتوفير مناطق عمرانية تستوعب الزيادة السكانية، وتفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية وفرص عمل خارج نطاق المدن التقليدية.
كما أشار الرئيس إلى دور شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية في تمويل وتنفيذ مشروعات المدينة، موضحًا أن الشركة بدأت دون رصيد مالي، ثم تولت تنفيذ مشروعات كبيرة، من بينها مدينة الثقافة والفنون ومسجد مصر والكاتدرائية وحي المال والأعمال ومقار الرئاسة.
وأضاف "طب ما هو الحكومة كموازنة متقدرش تعمل في العاصمة وفي العلمين وفي المدن دي 10% من الي اتعمل".
ومع تقدم أعمال البناء، أصبحت العاصمة الجديدة تضم مجموعة من المشروعات التي تمثل جوانب مختلفة من الحياة اليومية، بداية من المنشآت الحكومية والإدارية، وصولًا إلى المرافق الثقافية والدينية ومراكز الأعمال.
وتضم المدينة مدينة الثقافة والفنون، التي تستهدف توفير مساحة للأنشطة الثقافية والفنية، إلى جانب مسجد مصر والكاتدرائية وحي المال والأعمال، فضلًا عن مقار المؤسسات الحكومية.
وتعكس هذه المشروعات توجهًا نحو إنشاء مدينة لا تقتصر على نقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، بل تشمل أيضًا أنشطة ثقافية واقتصادية وخدمية، بما يدعم تحولها إلى مركز متكامل للعمل والحياة.
بنية تحتية متكاملة
لا يقتصر تطوير العاصمة الجديدة على المباني، حيث يشمل أيضًا إنشاء شبكة من وسائل النقل والمرافق والخدمات التي تستهدف تسهيل حركة السكان والعاملين داخل المدينة وربطها بالمناطق المحيطة.
وتشمل وسائل النقل المتاحة القطار الكهربائي الخفيف (LRT) والمونوريل والأتوبيسات، بما يوفر بدائل للتنقل ويدعم الربط بين العاصمة الجديدة ومناطق أخرى.
وعلى مستوى التعليم، تضم المدينة مدارس حكومية ويابانية ودولية، إلى جانب جامعات ومؤسسات تعليمية دولية، في إطار توفير خيارات متنوعة للسكان.
كما تشمل الخدمات الطبية منشآت صحية تستهدف تقديم الرعاية وفق معايير جودة متطورة، فيما تعتمد بعض الخدمات الحكومية على الأنظمة الرقمية لتسهيل الإجراءات وتقليل الوقت اللازم لإنجاز المعاملات.
حيث تقدم مستشفى العاصمة الجديدة خدمات طبية وفق معايير جودة عالمية، وتعتمد على نظم المعلومات الصحية (HIS) في إدارة خدماتها.
كما تشمل فرع التوثيق الذي يعمل بنظام الشباك الواحد، بما يسمح بإنجاز الإجراء خلال نحو 3 إلى 4 دقائق.
كما تمثل مكتبة العاصمة أحد مكونات مدينة الفنون والثقافة، بما يدعم الأنشطة الثقافية والمعرفية داخل المدينة.
المساحات الخضراء والأمن
وتستهدف العاصمة الجديدة تقديم نموذج عمراني يوازن بين المباني والمساحات المفتوحة، مع الاهتمام بالخدمات والأمن وجودة الحياة.
وأشار متحدثون عن المدينة إلى اتساع المساحات الخضراء، وتوافر الخدمات الأمنية على مدار الساعة، إلى جانب تنوع المدارس والجامعات ووسائل النقل.
كما أشاد بعض المتابعين بسرعة تنفيذ المشروع، معتبرين أن حجم الإنجاز الذي تحقق خلال سنوات قليلة يعكس قدرة الدولة والشركات العاملة على تنفيذ مشروعات عمرانية كبيرة في وقت قياسي.
وتظل جودة الحياة داخل المدينة ومدى توافر الخدمات واستمرار تشغيلها من العوامل الأساسية في جذب السكان، وتحويل العاصمة من مركز إداري إلى مجتمع عمراني متكامل.
فرص العمل
لم يقتصر أثر المشروع على إنشاء المباني والمرافق، بل امتد إلى توفير فرص عمل للعمالة المشاركة في تنفيذ المشروعات، والتي جاءت من محافظات مصر المختلفة.
ومع استمرار أعمال الإنشاءات والتطوير، أتاح المشروع فرصًا للعاملين في قطاعات البناء والتشييد والهندسة والخدمات، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بتشغيل المنشآت والمرافق.
ويعزز هذا النشاط أهمية المشروعات العمرانية الكبرى في تحريك قطاعات اقتصادية متعددة، إذ يرتبط قطاع العقارات والإنشاءات بصناعات وخدمات أخرى، ويمثل أحد مصادر التشغيل والاستثمار في الاقتصاد المصري.
العاصمة الجديدة بعد 10 سنوات
بعد 10 سنوات من انطلاق المشروع، لم تعد العاصمة الجديدة مجرد فكرة لإنشاء مدينة في الصحراء، بل أصبحت واقعًا يضم منشآت حكومية وثقافية وتعليمية وطبية، وشبكات للنقل والمرافق.
وبين الانتقادات التي صاحبت الإعلان عن المشروع، والتقدم الذي تحقق على أرض الواقع، تظل المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة المدينة على استكمال خدماتها، وجذب المزيد من السكان والشركات والاستثمارات، وتحقيق الاستفادة الاقتصادية والعمرانية المستهدفة.
فالعاصمة الجديدة لم تُطرح باعتبارها مشروعًا ينتهي ببناء المباني، وإنما كمدينة يفترض أن تستمر في النمو والتوسع، مع تطور احتياجات سكانها وزيادة الأنشطة الاقتصادية والخدمية داخلها.
وبعد 10 سنوات من بداية الحلم، تستمر رحلة العاصمة الجديدة، في محاولة لتحويل التوسع العمراني إلى واقع مستدام، وفتح فصل جديد في خريطة التنمية العمرانية في مصر.