الغاز الأمريكي في استراتيجية قطر الجديدة.. تنويع للإمدادات ومكاسب تنتظر 2030
تتجه قطر للطاقة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها في تجارة الغاز الطبيعي المسال، عبر توسيع مصادر الإمداد خارج الخليج وإبرام عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الأميركي تمتد حتى عام 2054، في خطوة تستهدف تقليل مخاطر تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز، وتحويل الاضطرابات الجيوسياسية المحتملة إلى فرص تجارية تدر إيرادات إضافية.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في استراتيجية واحدة من أكبر شركات الغاز في العالم، إذ تسعى الشركة، التي تستحوذ على نحو خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إلى بناء مصدر دخل من خارج المنطقة، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادراتها منذ اندلاع الحرب على إيران في أواخر فبراير 2026.
وتأتي تصريحات الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة ووزير الدولة لشؤون الطاقة، سعد بن شريدة الكعبي، بشأن الصفقات الجديدة، بالتزامن مع تقديرات مؤسسات متخصصة، من بينها «ريستاد إنرجي»، لحجم الأضرار التي لحقت بقطاع الغاز القطري، بحسب تقرير لـ CNBC عربية.
تحوط تجاري بعقود طويلة الأجل
وكشف الكعبي أن قطر للطاقة تشتري إمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وموردين آخرين، ضمن استراتيجية تستهدف إنشاء مركز للتحوط التجاري يعتمد على المتاجرة والاستفادة من فروق الأسعار، بما يضمن تحقيق إيرادات في حال تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز مستقبلاً، بحسب تصريحاته لوكالة «رويترز» يوم الخميس 29 أكتوبر.
وأوضح أن هذه الخطة تستهدف التعامل مع سيناريو إغلاق المضيق، إذ ترتفع الأسعار فور حدوث التعطل، ما يتيح للشركة تحقيق إيرادات إضافية من خلال الصفقات التي أبرمتها. وأشار إلى أن هذه الاتفاقات لا تتطلب إنفاقاً رأسمالياً، وتقل تكلفتها كثيراً عن إنشاء خطوط أنابيب أو وحدات إسالة جديدة، مع توقع تحقيق عوائد معقولة حتى في الظروف الطبيعية.
وأشار الكعبي إلى توقيع اتفاقات خلال الأسبوعين الماضيين لتوريد نحو 7 ملايين طن سنوياً، من بينها اتفاق لشراء 3 ملايين طن سنوياً من مشروع لويزيانا للغاز المسال التابع لشركة «وودسايد»، لمدة 20 عاماً.
وتشمل الاتفاقات أيضاً عقدين مع شركة «تشينير إنرجي» لشراء 4 ملايين طن سنوياً حتى عام 2054، بواقع مليوني طن من مشروعي سابين باس وكوربوس كريستي. وترتبط الأسعار في الاتفاقين بمؤشر هنري هب، مضافاً إليه رسم ثابت، وفق نظام التسليم على ظهر السفينة، على أن تبدأ الإمدادات في عام 2031.
وتوقع الكعبي إبرام مزيد من الاتفاقات طويلة الأجل مع الولايات المتحدة وموردين آخرين قبل نهاية عام 2026، بكميات تتجاوز بكثير 7 ملايين طن سنوياً، مشيراً إلى أن الشركة تجري محادثات مع مختلف الموردين، ومن بينهم «فينتشر غلوبال»، وستختار الجهات التي تقدم أفضل الشروط التجارية.
وكانت وكالة «رويترز» قد ذكرت قبل أيام أن المحادثات مع «فينتشر غلوبال» وصلت إلى مراحل متقدمة، بهدف توريد ما لا يقل عن 3 ملايين طن سنوياً.
قطر وأميركا.. تفاوت في الإمدادات
وقبل اندلاع الحرب على إيران، كانت قطر تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة في صادرات الغاز الطبيعي المسال، إذ وفرت نحو 20% من الإمدادات العالمية عبر مضيق هرمز خلال عام 2025، بطاقة إنتاجية تقترب من 77 مليون طن سنوياً.
لكن الشحنات القطرية تراجعت بشدة خلال الأشهر الثمانية التالية لاستهداف إيران منشأة رأس لفان في مارس 2026، وأعلنت الدوحة حالة القوة القاهرة شهرياً منذ ذلك الحين، بحسب شبكة «سي إن بي سي».
وفي المقابل، سجلت الولايات المتحدة طفرة في صادرات الغاز الطبيعي المسال، بعدما تجاوزت 100 مليون طن خلال عام 2025 للمرة الأولى لأي دولة، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 120 مليون طن في 2026، وفق تصريحات وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في 22 سبتمبر.
كما سجلت الصادرات الأميركية مستوى قياسياً بلغ 19.9 مليار قدم مكعبة يومياً في 18 أكتوبر، بحسب بيانات «ريستاد إنرجي».
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع إنتاج الغاز الطبيعي الجاف من مستوى قياسي بلغ 107.6 مليار قدم مكعبة يومياً في 2025 إلى 112.2 مليار قدم مكعبة يومياً خلال 2026، ما يجعل الولايات المتحدة مورداً يمتلك فائضاً متنامياً من الإمدادات، بعيداً عن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
أضرار الطاقة الإنتاجية القطرية
وأكد الكعبي أن خطة قطر للطاقة لرفع طاقتها الإنتاجية من 77 مليون طن إلى 142 مليون طن سنوياً لا تزال قائمة، وأن الشركة لم تلغِ أياً من المشروعات التي سبق الإعلان عنها، مع توقع بدء تشغيل بعض وحدات توسعة حقل الشمال الشرقي خلال 2027، ووحدات حقل الشمال الجنوبي في 2028.
واستبعد إنشاء خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، موضحاً أن أي بنية تحتية في المنطقة قد تظل عرضة للاستهداف، بغض النظر عن موقعها.
وأشار إلى أن إصلاح وحدتي الإسالة المتضررتين من أصل 14 وحدة تعرضت للهجمات الإيرانية سيستغرق نحو ثلاث سنوات، ما يعني فقداناً مؤقتاً لنحو 17% من الطاقة الإنتاجية، بما يعادل قرابة 12.8 مليون طن سنوياً، متوقعاً عودة مشروع «بيرل» لتحويل الغاز إلى سوائل بحلول الربع الأول من عام 2027.
في المقابل، قدرت «ريستاد إنرجي» أن التعافي الكامل لقطاع الغاز القطري قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات، بسبب محدودية الشركات العالمية القادرة على تصنيع التوربينات الكبيرة اللازمة لمصانع الإسالة، إذ لا يتجاوز عددها ثلاثة مصنّعين، ويواجهون تراكم الطلبات.
وسبق أن اشترت قطر للطاقة نحو 33 شحنة فورية من الغاز الأميركي بقيمة تقارب مليار دولار، لتوفير الإمدادات لعملائها في كوريا الجنوبية وتايوان وبنغلاديش والهند واليابان، عقب إعلان حالة القوة القاهرة، بحسب ما نقلته «رويترز» في يوليو.
أسئلة حول الأرباح وفروق الأسعار
وتثير الصفقات الجديدة تساؤلات بشأن كيفية تحقيق قطر للطاقة أرباحاً منها في ظل ارتفاع أسعار الغاز عالمياً، ومدى تأثر العوائد بتقلبات مؤشر هنري هب الذي ترتبط به أسعار الشراء، إلى جانب فرص الاستفادة من أسطول الشركة الذي تستهدف زيادته إلى 200 ناقلة، لفتح أسواق جديدة في أميركا اللاتينية.
وفي هذا السياق، تتفق آراء الخبراء الذين تحدثوا إلى «سي إن بي سي عربية» على أن شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز المرونة التجارية وتأمين استمرارية الإمدادات في ظل المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالخليج، إلا أنهم يختلفون بشأن دوافع الخطوة وحجم العوائد المحتملة وآليات قياس أثرها على المدى الطويل.
ويرى الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في شؤون الطاقة عامر الشوبكي أن التحرك القطري يأتي ضمن استراتيجية أوسع لبناء محفظة عالمية للطاقة تجمع بين الإنتاج والتجارة والنقل والتسويق، بما يقلل تركز الإيرادات في منطقة جغرافية واحدة.
ويؤكد أن امتلاك مصادر إمداد خارج الخليج يوفر للشركة أداة تحوط مهمة في حال تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز، إذ يمكنها تحقيق إيرادات من أصول وإمدادات قائمة خارج المنطقة، والاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية المصاحب لأي اضطراب محتمل في الإمدادات.
من جانبه، يتفق الخبير والمحلل في شؤون النفط والطاقة مصطفى البزركان مع أهمية تنويع مصادر الإمداد، لكنه يربط هذه الخطوة بصورة أكبر بضرورة الوفاء بالالتزامات التعاقدية طويلة الأجل، موضحاً أن عقود الغاز الطبيعي المسال تمتد عادة بين 10 و20 عاماً، وأن قطر للطاقة تتمتع بتاريخ من الالتزام تجاه المشترين في آسيا وأوروبا.
تنويع الإمدادات أقل تكلفة
وأشار البزركان إلى أن المخاطر الأمنية الأخيرة، التي تزامنت مع تعرض أكثر من 60 منشأة للطاقة في منطقة الخليج للقصف خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، وفق تقديرات صحفية، عززت الحاجة إلى مصادر بديلة للإمدادات تتيح الوفاء بالالتزامات التعاقدية عند الضرورة.
ويتفق الشوبكي والبزركان على أن شراء الغاز من الخارج قد يكون أكثر جدوى من الاستثمار في إنشاء بنية تحتية جديدة لتجاوز مضيق هرمز.
ويوضح الشوبكي أن مد خطوط أنابيب جديدة أو إنشاء مرافق بديلة يتطلب تكاليف رأسمالية مرتفعة، فضلاً عن استمرار تعرض هذه المنشآت للمخاطر الأمنية واحتمالات الاستهداف، فيما يرى البزركان أن تنويع منافذ الإمداد والأسواق يحقق الهدف نفسه بتكاليف ومخاطر أقل.
أما أستاذ هندسة البترول والطاقة بالجامعة الأميركية في القاهرة جمال القليوبي، فيركز على الجانب التجاري للصفقات، موضحاً أن ربحية الشركة تتحدد وفق الفارق بين تكلفة شراء الغاز وسعر إعادة بيعه، بعد احتساب تكاليف الإسالة والشحن والتأمين والتمويل.
وأشار إلى أن اتفاق «تشينير إنرجي» الأميركي، المعلن في أكتوبر، ينص على توريد الغاز بسعر يرتبط بمؤشر هنري هب مضافاً إليه رسم ثابت، على أن تبدأ الإمدادات في 2031 وتستمر حتى 2054، بينما يتضمن اتفاق «وودسايد» شراء 3 ملايين طن سنوياً لمدة 20 عاماً، مع توقع بدء التسليم في 2030.
فروق الأسعار لا تضمن الأرباح
ويتفق الشوبكي والقليوبي على أن ربحية هذه العقود لا يمكن تقييمها استناداً إلى أسعار الغاز الحالية أو الظروف الاستثنائية التي تشهدها الأسواق، إذ يرى الشوبكي أن الفارق السعري الراهن بين السوق الأميركية والأسواق العالمية يبدو جاذباً، مشيراً إلى أن أسعار الغاز في الولايات المتحدة تدور حول عُشر المستويات المسجلة في بعض الأسواق الأوروبية والآسيوية.
لكن القليوبي يحذر من أن هذه الفروق السعرية ليست ثابتة، وأن الأرباح الفعلية ستعتمد على تطورات الأسعار وتكاليف النقل والتأمين، إلى جانب مستويات الطلب في الأسواق المستهدفة.
وفي حين ترى أستاذة الاقتصاد والطاقة وفاء علي أن التوترات الجيوسياسية الحالية قد تقود إلى «انفجار سعري» في أسواق الغاز، بما يمنح قطر للطاقة فرصة لتحقيق هوامش ربح أكبر من خلال إعادة بيع الإمدادات التي اشترتها مسبقاً، يتبنى القليوبي والشوبكي رؤية أكثر تحفظاً.
ويؤكد الخبيران أن ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي للحكم على ربحية الصفقات، نظراً إلى احتمالات زيادة التكاليف التشغيلية واللوجستية بالتوازي مع صعود الأسعار.
الأسواق الجديدة والالتزامات التعاقدية
وفيما يتعلق بالالتزامات التعاقدية، يتفق الخبراء الثلاثة على أن استبدال الغاز القطري بإمدادات أميركية ليس إجراءً تلقائياً، إذ يشير الشوبكي إلى أن العديد من العقود تحدد موانئ التحميل بصورة واضحة، بينما يؤكد البزركان أن الاتفاقات طويلة الأجل مع المشترين تتضمن التزامات تفصيلية يتعين احترامها.
ويضيف القليوبي أن إمكانية استبدال الإمدادات تعتمد على شروط كل عقد، ومدى سماحه بتغيير مصدر الغاز، أو احتوائه على بنود خاصة بحالات القوة القاهرة.
وعلى صعيد الأسواق المستهدفة، يرى الشوبكي أن المحفظة الجديدة تتيح فرصاً للتوسع في أميركا الجنوبية وأفريقيا، بما في ذلك أسواق البرازيل وتشيلي ومصر.
ويتفق القليوبي مع وجود فرص تجارية واعدة في هذه الأسواق، لكنه يشدد على أن نجاح التوسع يرتبط بتوافر محطات إعادة التغويز، وقدرة العملاء على السداد، ومستوى المنافسة مع مصادر الطاقة الأخرى.
الأسطول يعزز مرونة التصدير
ويحظى أسطول النقل القطري بإجماع الخبراء باعتباره أحد أبرز عناصر القوة في الاستراتيجية الجديدة، إذ يؤكد البزركان أن الشركة تمتلك واحداً من أكبر وأحدث أساطيل الغاز الطبيعي المسال عالمياً، بما يتيح لها سرعة استعادة تدفقات التصدير فور استقرار الأوضاع الأمنية.
من جانبه، يشير القليوبي إلى أن برنامج التوسع الحالي يتضمن 128 ناقلة جديدة، ما يعزز قدرة قطر على تجاوز اختناقات الممرات البحرية وتقليل الاعتماد على سوق التأجير الفوري.
ويصف الشوبكي هذه السياسة بأنها وسيلة لتقليل أثر المخاطر الجغرافية وتعزيز استقرار الإيرادات، فيما يعتبرها البزركان أداة للحفاظ على الالتزامات التعاقدية والأسواق القائمة، ويرى القليوبي أنها استراتيجية تجارية تستهدف زيادة هوامش الربح عبر إدارة فروق الأسعار والشحن والعقود بكفاءة.
أما وفاء علي، فترى أن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية أوسع للحفاظ على النفوذ القطري في تجارة الغاز العالمية وضمان استمرار التوسع الإنتاجي، لا سيما في ظل خطة رفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنوياً إلى 142 مليون طن سنوياً خلال السنوات المقبلة.
وتتمثل أبرز نقاط الاتفاق بين الخبراء في أهمية تنويع مصادر الإمداد والأسواق، بينما يتركز الاختلاف في تقدير حجم المكاسب الربحية المتوقعة، ومدى قدرة الاستراتيجية على تحويل المخاطر الجيوسياسية إلى فرص تجارية مستدامة.
استثمار طويل الأجل
وتكشف الصفقات أن قطر للطاقة لا تنتظر انتهاء الحرب لتعويض خسائرها، بل تعمل على توظيف قدراتها في مجالي التجارة والشحن لبناء أداة تحوط تتيح لها تحقيق إيرادات عند ارتفاع الأسعار نتيجة اضطراب الإمدادات.
لكن الأثر الفعلي لهذه الاتفاقات قد لا يظهر قبل بدء التسليم، المقرر في عامي 2030 و2031 بالنسبة إلى جزء كبير من الكميات المتعاقد عليها، ما يجعلها استثماراً للمستقبل وليس حلاً مباشراً للأزمة الراهنة.
وفي المقابل، يمنح الأسطول القطري، الذي تستهدف الدوحة زيادته إلى نحو 200 ناقلة، هامشاً أكبر للمناورة في مواجهة اختناقات الممرات البحرية، ويدعم استمرار دورها لاعباً رئيسياً في سوق الغاز العالمية.